ما بين أسفين يا ريس وأسف يا شعب

الموضوع منشور على جريدة البديل على الرابط التالى
سألتنى صديقتى المغربية عن أحد الأحزاب المصرية الوليدة ، وعن تاريخ تأسيسة فأجبتها : لقد تأسس منذ فترة طويلة نسبية ، فقد تم تأسيسة بعد الثورة المصرية .. سألتنى بإستغراب : كيف تقول تأسس منذ فترة طويلة وقد تأسس بعد الثورة التى لم يمر عليها خمسة أشهر بعد ؟

قلت لها : إن الفترة الزمنية منذ حدوث الثورة للأن فترة قصيرة زمنيا ، لكن على المستوى الشخصى والإجتماعى والنفسى ، فقد تجاوزت حدود الزمن الفعلى ، وخرجت بنا عن أفاق الزمن الذى نحسبة بالساعات والأيام .

ومابين (أسفين ياريس) التى أطلقها متظاهرى (مصطفى محمود) المأجورين ، وبين (أسف يا شعب) التى ينتوى مبارك إطلاقها بعد أن أدركة الغرق وقال أمنت بسيادة الشعب وأنا من المسلمين .. مر وقت طويل نسبيا .. وسال كثير من الدم …

ما بين (أسفين ياريس) و (أسف يا شعب) سالت دماء خالد سعيد فى مدخل عمارة قديمة بالأسكندرية وسط أهله وجيرانه دون أن يستطيع أحد منهم أن يحرك ساكنا أمام إنتهاكات الشرطة للشعب الذى يدفع رواتبهم ، وكانت إنتهاكاتهم وتعذيبهم وقتلهم للمواطنين جراء إطلاق يدهم كقوات تحفظ أمن الرئيس السابق وتفتك بمعارضية وتغض النظر عن بلطجيته .

ومات ما يقرب من 1500 شخص فى مياة البحر أثناء عودتهم من السعودية على ظهر إحدى العبارات المتهالكة التى لا تصلح للعمل التى أطلقها رجل أعمال سمح له الرئيس السابق بالعمل دون ظوابط مقابل دفع (المعلوم) للنظام الفاسد من خلال عقود شراكة مع أبناء مبارك .

ومات مئات الأبرياء على متن طائرة مصرية عائدة من الولايات المتحدة الأمريكية .. ذابت لحومهم وتحولوا لطعام للأسماك بعد إنفجار الطائرة فوق المحيط ، وإرتضى النظام عدم المطالبة بتحقيق حقيقى فى كارثة موتهم نتيجة للضغوط التى مارسها النظام الأمريكى والذى كان بمثابة الإلة للنظام المصرى وعلى رأسه الرئيس السابق مبارك ، وترك العديد من الشائعات التى يرتقى بعضها لمصاف الحقيقة تجول وتصول حول ضربها بصاروخ أمريكى إما عمدا أو خطئا .

وماتت زهور يانعة تعب الوطن فى تأهيلهم للعمل فى مجال الفن ، فكانت نهايتهم أن حاصرتهم ألسنة اللهب فى مسرح متهالك فى بنى سويف وإحترق منهم من إحترق وإختنق من إختنق ، بينما رفض الرئيس المصرى السابق مجرد عزل وزير الثقافة الذى تسبب بإهماله فى الكارثة ، نتيجة أن روابط عائلية تربطه به .

وفى أرض مصر تفشت المبيدات المسرطنة التى هتكت أجساد المصريين تحت مباركة النظام المباركى ورأسه الفاسد ، ومن لم يمت بالسرطان مات بالدم الفاسد الذى أستورده النظام المصرى أثناء حكم مبارك ، ومن نجا من السرطان والدم الملوث فتكت به أمراض الكلى التى سببتها المياة الملوثة .. وأمراض الصدر التى إنتشرت نتيجة تلوث الهواء …

وعلى مدار عقود طويلة . عمل مبارك على إفساد نظام التعليم المصرى ، وتحويله لعبء على كاهل الأسرة المصرية ، بدءا من إلغاء مجانية التعليم التى تحولت لمجرد شعار أجوف ، بالإضافة لتدريس مناهج لا تمت للواقع العملى بصلة ، مما أدى لزيادة خرجيى الجامعات الذين لا يستطيعون التكيف مع متطلبات السوق ، مما أدى لزيادة البطالة وإنتشار اليأس فى القلوب ، وزيادة حالات الإنتحار وإرتفاع معدلات الجريمة .

لم يكتفى مبارك بهذا بل أطلق يد  المتشددين دينيا لتعبث فسادا بالقلوب والعقول ، وسهل عمليات قمع وإغتيالات منظمة للأقباط وحرق وتفجير لكنائسهم ، حتى يظهر أمام أمريكا بأنه البديل الوحيد الموثوق فيه للإستمرار على كرسى الحكم هو وذريته من بعده فى عملية توريث ممنهجة قذرة .

واليوم ، وبعد ثلاثون عاما من ما يمكن تسميته بتجريف مصر سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا ، تتناقل أخبار عن نية مبارك الإعتذار علنا  للشعب المصرى ، والتنازل عن كل أملاكه هو وزوجته  ، وطلب الصفح والغفران ، وهى الأنباء التى نفاها مصدر وصف بأنه وثيق الصلة بعائلة مبارك ، وإن كنت أظن أن تسريب الخبر جاء كبالونة إختبار لرد فعل الشعب الذى قابل نية الإعتذار بعاصفة من الرفض الشعبى ، ما أدى لسحب النية وتكذيب الخبر .

أما عن خبر نية الإعتذار الذى نشرته الشروق ، فإن المدقق فيه يجد التالى :

“يقدم فيه مبارك اعتذارا باسمه ونيابة عن أسرته “عما يكون قد بدر منه من إساءة لأبناء الوطن بسبب سوء تصرف ناجم عن نصيحة بعض المستشارين أو معلومات خاطئة”

أى أن مبارك لايزال يلقى بالخطأ على (نصيحة المستشارين) و (المعلومات الخاطئة) ، أى أنه لايزال يملك القدرة على الجدال وعلى عدم الإعتراف بأنه المخطىء الحقيقى فى حق الشعب .

ثم نجد نفس اللهجة القديمة التى تذكر الجميع بأن مبارك أولا وأخيرا رجل جيش مصرى دافع عن مصر ، وهى نفس اللهجة التى إستعملها مبارك فى خطابة العاطفى قبيل موقعة الجمل إبان الثورة المصرية .

ثم يتوقع مبارك أن تنازله عن ممتلكاته من الممكن أن يجلب عليه رضا وغفران الشعب ، وكأن الشعب لا كرامة ولا روح له ، قد يفعل به فاعل ما يريد ثم يدفع له (المعلوم) فيحصل على الغفران .

يجب أن يعلم مبارك عدة أمور .. ظل طيلة ثلاثون عاما يجهلها ، ويجب الأن أن يعرفها جيدا :

1- الشعب المصرى لا يسامح فى الدم .. الشعب المصرى لم ينسى من قتلهم النظام الصهيونى منذ 1948 وحتى اليوم ، ورغم كل معاهدات السلام والتبادل الإقتصادى ، لم يرضى الشعب المصرى على الصهاينة لأن الثأر بينه وبينهم ثأرا على الدم ولا شىء غير الدم … وكذلك الثأر مع مبارك .. هو ثأر بالدم ولا يُحل سوى بالدم .

2- حديث مبارك عن تحمله لمسئوليات الرئاسة كل هذه الفترة لا يصب فى ميزان حسناته –إن وجدت- إنما يزيد من رصيد سيئاته المتزايد ، فلا يمكن أن يتم إختصار مصر بجبروتها السياسى والإقتصادى والإجتماعى والبشرى فى رئيس واحد لكل هذه المدة ، حتى أزكمت رائحة العفن أنوف الجميع فى النهاية .

3- لن يخرج مبارك من أزمته بشرف مهما حاول ، وأنا أعرف معنى وأهمية الشرف لرجل خدم فى القوات المسلحة ، مهما لعبت به أمواج الحياة وتقلباتها فيما بعد ، هو يبحث الأن عن الخروج المشرف ، ولن يعطية الشعب المصرى هذا الشرف حتى ولو تنازل عن كل ما يملك وما لا يملك ، فما يقول مبارك أنها أملاكه هى مستحقات للشعب المصرى ، وسيستردها الشعب المصرى الأن أو فيما بعد ، وسواء رضى الرئيس السابق أم لم يرضى

4- إن بالونة الإختبار التى أطلقها مبارك عادت وأنفجرت فى وجهة بسخط وغضب ورفض شعبى مصرى جارف ، وحتى إن خرج مبارك من المحاكمات بالبراءة بمعجزة ما ، فإن الشعب المصرى سيظل بذكرة بالعار ما بقى له من حياه .

ولا يمكن أن أنهى حديثى سوى بأبيات أمل دنقل من قصيدة لا تصالح

لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما – فجأةً – بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ – مبتسمين – لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!

One Response to “ما بين أسفين يا ريس وأسف يا شعب”

  1. إيمان يوسف Says:

    أبداً لا يوجد شيء واحد يجعلنا نقول نعم للتصالحعن ماذا يمكننا أن نتنازل ؟!!!!عن دم شهدائنا ؟أم عن مصير شعب ؟؟أم عن حقوق نهبت ولا زالت منهوبة ؟؟؟ومع من نتصالح؟!!!مع من ماتت ضمائرهم منذ أمد؟أم مع من باعونا للأعداء؟؟أم مع من لم تهتز قلوبهم لحظة لدم الشهداء ليس شهداء 25 يناير لكن شهداء الوطن كثيرون ويتساقطوا منذ سنين ولا زالوا…..أسعدني المرور بين دوحات تلك المدونة الرقيقة فتقبل خالص تحياتي أيها القلم النابض

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: