الليلة الأولى فى السماء

كان الوقت متأخرا .. لكن الجلسة كانت ممتعة .. بعض الأصدقاء والحراس المدججين بالسلاح إجتمعوا فى المنزل المُحصن جيدا .. كان يعلم منذ زمن بعيد أنه أول المطلوبين ، وأن المكافأة الموضوعة للظفر برأسه قد تقارب ميزانيات بعض الدول الصغيرة .. إلا أنه كان أستاذا فى الهروب .

كان حديثه قليلا باسما .. وكان وجهه بشوشا للأصدقاء .. وكانوا يتناولون جميعا بعض الطعام المحلى عندما تناهى للجميع أصوات مروحيات تقترب .. تحفزت أيدى الحراس على السلاح بينما طمأنهم هو أن كل شىء على ما يرام .. وأن أصوات المروحيات قد ترجع لمروحيات تهبط أو تغادر المقر العسكرى القريب من مخبأه .

تزايد الصوت وإقترب منزرا بالويل .. وبعد لحظة ، تناهى للجميع صوت الإنفجارات فى محيط المبنى .. شكل الحراس – لا اراديا – طوقا حول الرجل لحمايته ، بينما إستل هو رشاش (كلاشنكوف) مستعدا للدفاع عن نفسه حتى اللحظة الأخيرة .

بعد لحظات حدث الإقتحام وتبادل الجميع إطلاق النيران بكثافة .. بدأت عيناه تتابع أيدى القوات الغازية وهم يضيقون الحصار من حوله ، ويجندلون الحراس والأصدقاء على حد سواء .. قال فى نفسه أنه لن يذهب بهذه السهولة .. سيقاتل حتى أخر طلقة .. حتى أخر نفس …

إزدادت حدة تبادل إطلاق النيران من حوله .. وحاول هو أكثر من مرة إصطياد رجال القوات المسلحة الذين أتوا لقتله ، إلا أن رصاصاته طاشت أمام محاولاتهم الإحترافية للمراوغة والضغط .. بعد لحظات أصبح شبه وحيدا وقد قُتل كل من كانوا حوله … هى النهاية إذن .. لحظة الشهادة التى طالما تمناها ، وطالما أعلن أنه يحرص عليها بقدر حرص أعداؤة على الحياة .

برز المدفع الرشاش الحديث لأحد رجال الجيش .. حاول أن يطلق هو الأخر النيران إلا أن رصاصة الجندى كانت الأسرع .. إخترقت رأسه فى الحال فسقط أرضا .. وبدأ يلاحظ إختلاف الموجودات من حوله .

عرف من دراسته الدينية العميقة أن لحظة الشهادة تأتى مثل (شك الدبوس) أو ربما أقل .. إلا أن ألما عظيما إستبد برأسة ، وبدا للحظات أنه لا ينتهى أبدا .. بدأت الدنيا تتلون بلون الدم القانى ، وبدأ الجنود يلتفون حوله غير مصدقين أنهم أخيرا ظفروا به .. حاول ترديد الشهادتين فلم يستطع .. إكتشف فجأه أنه لم يعد يملك السيطرة على لسانه .. حاول تحريك أطرافه فلم يستطع … أدرك أنه فقد فجأة كل السيطرة على جسده .. وأحس بإستكانة الموت

لف صداع عميق جسدة بالكامل .. صداع لا يمكن وصفة .. وأزيز غريب بدأ فى التردد فى أذنيه .. بدأ فى إستكشاف محيط ما ينظر إليه فوجد جندى (مارينز) يقف بالقرب من رأسه وهو يتحدث الإنجليزية بعصبية : لقد وجدناه .. إنه هو .. لقد مات . أما هو فلم يكن يعلم هل مات فعلا أم أنه يعانى سكرات الموت ؟ ولماذا لم يصطحبة ملكان إلى حيث الجنة والتمتع بالنظر لوجه الله الكريم ؟ ألم يمت شهيدا بعد كل ما كبده للعدو من خسارات ؟
فوجىء بفوهة المدفع الرشاش لجندى المارينز وقد تركزت نحو وجهه من جديد .. وقال الجندى بعصبية : سأطلق عليه رصاصة جديدة للتأكد من موته .. رأى نورا قويا يخرج من المدفع ، وأهتز جسده بعنف وقد تلقى الرصاصة الثانية .. الغريب أنه لم يشعر بها إطلاقا ، وكإنما جسد أخر هو الذى تلقاها .. أحس بقشعرة مؤلمة بجسدة ، ثم سرعان ما أحس بروحة تنسل من جسده .

هو الأن لا يرى نفسه .. وإن كان يشعر بنفسة محلقا فوق ما كان قبل ثوان قليلة .. جسده .. تطلع حولة ونظر للجنود الأمريكيين المتوترين .. ورأى أحدهم يلف جسده بقماش أبيض ويسحبه سحبا نحو الخارج .. بينما بقى هو داخل المخبأ ، يتطلع لجثث الحراس ورفاق الهروب … حاول أن يلقى عليهم السلام فلم يستطع ، وأكتشف أنه غير قادر على الكلام ، ثم تذكر أنه الأن ميت ، وأن قواعد الأرض لا تسرى على الشهداء .

حاول أن يتحرك ليتابع ما يحدث فى جسده فلم يستطع .. بدأ يبشر نفسه بالجنة ونعيمها ، أنهار خمرها وألبانها وحورها العين .. الأن يظفر بهذه المكانة التى طالما إشتاقها .

أحس فجأة بجسد غريب يدفعه أمامه ، إلتفت للخلف فوجد كيانا بشعا لا يمكن وصفه بكلمات ، لم تكن مصدر بشاعته فى شكله ، ففى الواقع لم يكن له شكلا محددا ، إنما كانت مصدر البشاعة تتمثل فى الطاقة النفسية السلبية الهائلة التى تشع من هذا الكيان ، وكإنما كل مشاعر البغض والكراهية والحقد والغل قد تجمعت فى حالتها (الخام) وتمثلت فى هذا الكيان .

رغم جرأته المعهودة ، لم يستطع منع نفسه من الخوف .. حاول التكلم من جديد فلم يستطع ، إلا أن صوتا تغلغل بداخلة قال له :

– لا تسأل من أنا !
– وكيف عرفت أننى أريد سؤالك من أنت ؟
– لأن للسماء قواعد تختلف عن قواعدكم على الأرض .. أنت هنا لا تحتاج – ولا تستطيع – الكلام ، لكن يمكنك التخاطر معى .
– من أنت أذن ؟
– أنا تلميذك
– أى تلميذ ؟ لم أرك فى أى درس علم ألقيته من قبل ، بل إننى لا أراك الأن وإن كنت أشعر بك .
– هذا لأننى لست كائنا حيا بالمعنى الذى تعرفه .. لكنك أنت من خلقتنى واليوم نلقتى مجددا
– كيف خلفتك ؟
– من تعاليمك وإسلوب حياتك .
– ومم خلقتك ؟
– من كراهيتك وحقدك وتحريضك وممارستك القتل بدون تأنيب ضمير
– لست أنا من تتحدث عنه .. لم أشعر يوما بالغضب والحقد سوى على أعداء الله
– ومن أدراك أنهم أعداء الله ؟
– هكذا قال فى كتابه العزيز
– وهل قرأته ؟
– أنا أحفظه كاملا
– لكنك لم تفهمه
حاول أن ينطق فيقول أنه يفهمه ويتدارسه ليلا نهارا ، إلا أنه لم يستطع التفوه بأى كلمة فقال له الكيان الخفى :
– لن تنطق كذبا بعد  اليوم … سينعقد لسانك عند أى محاولة للكذب .. لذلك لن تستطيع التفوة بكلمة .
– لكنى لم أقتل أحدا
وبمجرد أن تفوه بهذه الجملة حتى حدث أمرا لم يكن يتخيله .. بدأ يشعر أن له كيانا إنسانيا مرة أخرى .. وبدأ يشعر بيديه وقدميه وأطرافه وقد دبت فيها الحياة من جديد ، حاول تحريك أعضاؤة إلا أنه فشل .. ثم بدأ يداه فى التحرك كإنما لهما إرادة مستقلة بهما ، بدات يده اليمنى تقول : أمسكت بزمام الكلاشنكوف واطلقت النار على إناس أبرياء فى أفغانستان
صرخت يده اليسرى : خنقت رجلا حتى الموت أمام أسرته لأثبت للجميع أننى عديم الرحمة .
صدر صوت أجش من قدمه اليمنى : دهست رأس إمرأة أفغانية فى التراب عقابا لها على عدم إرتداء غطاء الرأس .
تردد صوت أخر من قدمه اليسرى : ضغطت على دواسة البنزين فصدمت عائلة باكستانية بريئة .
ثم حدث شيئا أغرب … إنفجرأت رأسه ولم يشعر بالم .. وخرج مخه من رأسه وهو يصرخ بصوت يشبه الأنين :
– إستعملت ذكائى فى التدبير والتخطيط والتمويل لعمليات قتل للألاف من الأبرياء حول العالم
حاول الحديث فلم يستطع .. تردد صوت الكيان الغامض :
– أرأيت ؟ كل أطرافك تشهد على أفعالك .. هل تتذكر هذه الأفعال؟
– أتذكرها رغم أنه مر عليها سنين طوال
– إن بصرك اليوم حديد .. فأنظر ماذا فعلت
وكأنما تحولت السماء لشاشة عرض سينمائية ضخمة .. وظهر على الشاشة طفل صغير يبدو أجنبى الملامح يجلس باكيا فى منزله .
قال الكيان : هذا أحد ضحاياك الكثيرين
– من هذا ؟ أننى لا أعرفه !
– أسمه (جاك) .. خسر والده ووالدته فى أحداث سبتمبر ويعيش الأن مع جدته العجوز .
– لكن أهله إستحقوا الموت بكل تأكيد .. إنهم مجرمين
– ليسوا هم المجرمين حقا ، لكن عقلك الإجرامى لم يستطع الوصول لغيرهم فإستسهلت قتلهم ولم توجه سلاحك للمجرمين الحقيقيين .
– لكنهم نصارى مشركين بالله
– النصارى ليسوا مشركين ، ومنزلة الكثيرون منهم أروع ألف مرة من منزلتك التى سنصلاها قريبا .. من أعطاك الحق لحساب البشر فى الأرض وأنت بشرى مثلهم ؟
– كتاب الله وسنة رسوله
– ألم اقل لك أنك لم تفهمهم ؟
– بل أنت الذى لا تفهمنى .. اريد أن اقابل الر… الرسـ… … الر…. لماذا لا أستطيع نطق إسمه ؟
– لأن نطق إسمه غير متاح فى السماء إلا لأمته
– لكننى من أمته
– هو لا يتذكرك
– كيف حدث هذا ؟ لقد سرت على سنته بحذافيرها
– هو لا يريد مقابلتك .. يقول لك لست منى .. لست من أمتى .. يقول لك لقد إتبعت الظاهر والسهل من سنتى لكنك نسيت الباطن والأصل . يقول لك : ليس من أمتى من قتل نفسا بريئة بغير حق .
صمت تماما .. وقد أعيته الحيلة .. إنبعث فى المكان رائحة شواء قوية … ولفح وجهه لهيب موجع .. تسائل وهو يتألم :
– أنا ذاهب لجهنم إذن
– أخيرا أدركت الحقيقة؟
– إلى بها إذن .. فإن فحيحها ولفح لهيبها يؤلمنى لدرجة تجعلنى أتمنى أن أصلاها حتى أرتاح من عذاب المسير فى هذه الحرارة .
– أصبر .. ستصلاها .. لقد إقتربنا .. إن بيننا وبينها مسيرة ألف عام فقط .

محمد حمدى
 

6 Responses to “الليلة الأولى فى السماء”

  1. سمر ربيع Says:

    كعادتك يامحمد متميز فى موضوعك وأسلوبك ,وعندك ملكه جميله بتقدر من خلالها ترسم صوره حيه لكتابتك فى ذهن القارئ…بس اسمحلى انت طرحت رأيك فى ابن لادن من خلال الحوار اللى دار بينه وبين الكائن الغامض ونُطق وشهاده جوارحه على افعاله, وده كوازع دينى وانسانى عندنا هايل ولكن صعب ندخل فى موضوع الحساب من ثواب او عقاب وتصور مصير انسان بعلمنا المحدود فى الدنيا ..وان كان تصور كيفيه الحساب منك يدل على تفكير وتأمل. تحياتى

  2. Anonymous Says:

    huihiuh

  3. minarizkabdo Says:

    نهاية طبيعية لكل من اتخذ من الدين ستارا ليقتل و يخرب و يدمر نهاية طبيعية لكل انسان سلك واقتنع بالافكار العنصرية والتخلف والهمجية التى يدعو اليها تنظيمات التيار الدينى المتعصب

  4. sony2000 Says:

    هي فعلا ققصه رائعهوهتلاقي اللي مخلف معاك فيهالانه تحول للبعض رمزبس اهم حاجهاننا نتعلم درس من حياتهمش بالسلاح نغيرممكن بكلمه طيبهدي احسن واهم

  5. هراء لا داعى له ..... Says:

    برافو عليك إنت كدا حاسبته و كمان حطيته فى المكان إللى حضرتك شوفته مناسب ليه من وجهة نظرك و حسب زاوية رؤيتك إنت لأ شاطر فعلا برافو

  6. أحمد مختار عاشور Says:

    الموضوع أكثر من ممتع يا صديقي, ولاحظت من التاريخ أنك سبقتني إليه وإن كانت رؤانا نختلفة قليلاً في الطريق أكثر من اختلافها في الهدف.. ….يعد كدة ابقى اضربني تاجات في المواضيع اللي زي ديه🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: