أن فرانك

على سبيل التقديم .

فى مارس 2010 سافرت لهولندا فى بعثة تبادل ثقافى بين الشباب الهولندى والمصرى ، وذهبت بنفسى ضمن برنامج الزيارة لمنزل (أن فرانك) الذى تحول لمتحف ، وشاهدت الطابق العلوى والمكتبة السحرية التى كانت تموه المدخل للمكان الذى هربت إليه العائلة اليهودية … لمست بيدى صنابير المياة التى شربت منها (أن) ، ووطأت قدمى الأرض الخشبية التى سارت عليها بأطراف أصابعها .. وقفت فى منتصف الغرفة التى قضت فيها (أن) أخر أيامها ، ونظرت من النافذة الصغيرة التى كانت تسليتها الوحيدة لايام وأيام .

وفى نهاية جولتنا فى المنزل ، وجدت نسخة من مذكرات (ان) مترجمة للعربية يتم بيعها ، لم تكفى ميزانيتى الهزيلة لشراء الكتاب الغالى ، إلا أننى وجدته متاحا للتحميل عبر الإنترنت فى إحدى ليالى السمر بالأسكندرية ، وعلى نسيم يود البحر والحرية ، قرأت اليوميات كلمة كلمة وحرفا حرفا ، وكم كان تخيل حياة هذه الفتاة الصغيرة فى هذا السجن الصغير صعبة .

ليس من قرأ كمن رأى . وليس من رأى كمن لمس وشم وأحس .. وإن كانت وطنيتى وعروبتى وتدينى يمانعون جرائم النظام الصهيونى بحق الفلسطينيين ، فإن إنسانيتى تتعاطف مع الفتاة اليهودية الصغيرة التى قتلها نظام هتلر الفاشى ، فما بين اليهودية والصهيونية فارقا كبيرا ، وإن كان العرب يطالبون العالم بالإعتراف بالجرائم التى تقترف بحق الشعب الفلسطينى ، فأولى بهم أن يعترفوا بالجريمة الإنسانية التى تمت بحق اليهود إبان الحرب العالمية الثانية ، خصوصا أنه لم يكن لهم بها أى دخل .

لأسباب كهذه وأكثر .. ورغم ميزانيتى الضئيلة ، وضعت (يورو) وحيد بداخل علبه التبرعات الممتلئة بالنقود ، و الموجود فى نهاية جولتى بمتحف  منزل ان فرانك .


اليوم أحكى

فى يومى الثالث فى أمستردام – هولندا . قالت لنا مُنظمة الرحلة : اليوم سنذهب لمتحف منزل الفتاة  (أن فرانك) .

كنت قد قرأت عنها .. وقبل أن أقرأ كنت قد شاهدت مشهدا يتحدث عنها فى فيلم (همام فى أمستردام) ، وتعجبت من الطريقة العدائية التى يتحدث بها صناع الفيلم عن هذه الفتاة ، التى لم أكن أعلم عنها شيئا .

اليوم أكتب عنها بعد أن قرأت .. شاهدت .. سمعت .. رأيت .. والأروع .. أننى كنت هناك ، وليس من قرأ كمن رأى .. وليس من رأى  كمن لمس وشم وصور وسمع ثم عادى ليحكى

اليوم أحكى عن (أن فرانك) ….

ميلادها

ولدت (أن) فى مدينة فرانكفورت الألمانية ، عام 1929 ، وكان المجتمع الألمانى أنذاك يتقبل جميع الطوائف الدينية والإجتماعية ، من كاثوليك وبروتستانت وكاثوليك ويهود ، وعلى الرغم من نشأتها فى عائلة يهودية غير متدينة جدا ، إلا أن (أن) كانت متدينة وتتبع التعاليم الدينية اليهودية .

وتظهر (أن) فى تسجيل فيديو نادر لمدة 20 ثانية تطل من شقة منزلها بفرانكفورت على زفاف كان يمر بالشارع ، وهو تسجيل الفيديو الوحيد لهذه الفتاة ، ويمكنك مشاهدته بالضغط هنا

فى 1933 نجح الحزب النازى بقيادة (أدولف هتلر) فى الوصول لسدة الحكم ، وبدأت تظاهرات معادية لتواجد اليهود تجتاح ألمانيا ، وبعقلية الظابط الذى شارك فى الحرب العالمية الأولى ، أدرك (أوتو فرانك) والد (أن) أن المجتمع لن يتقبل بقاء اليهود بنفس العقلية التى كان يتقبلها فيما قبل ، فقام بتصفية أعماله فى (فرانكفورت) وإنتقل بزوجته (إديث) وإبنتيه (مارجوت) و (أن) إلى (أمستردام) بـ (هولندا) .. وكانت عائلته من أولى العائلات اليهودية التى فرت من الإضطهاد الألمانى لبلدان أوروبا ، والتى وصل عددها عام 1939 الى 300 الف عائلة .

هروبها وإختباءها

 

إستطاع (أوتو فرانك) والد (أن) تكوين شركة جديدة فى هولندا ، إلا أنه سرعان ما إستطاعت ألمانيا النازية غزو (هولندا) فى حملتها الشرسة لضرب وإذلال باقى الدول الأوروبية ، وبدأت الحكومة الألمانية فى تنفيذ قرارات تضطهد اليهود إنسانيا وإقتصاديا ، وكان إحدى هذه القرارات يتمثل فى مصادرة الشركات المملوكة لليهود وتأميمها لحساب الإحتلال الألمانى ، الأمر الذى دعى (أوتو) للتنازل صوريا عن أسهمه فى الشركة لحساب أحد شركاءة ، والإكتفاء ببعض الأعمال التى تدر عليه حدا أدنى من الدخل يكفيه هو وعائلته خلال هذا الوقت العصيب .

بدأ (أوتو) والد (أن) فى التفكير فى الهرب من جحيم الحرب العالمية الثانية الذى إشتعل فى أوروبا بالكامل ، إلا أن طبيعة الحصار الجغرافى والإقتصادى المفروض على (هولندا) أنذاك ، بالإضافة لقيام ألمانيا بإحتلال معظم الأراضى الأوروبية ، جعل الرجل وعائلته محاصرين فى (هولندا) ، فقام بالتحضير للإختباء هو وعائلته فى مقر شركته فى (أمستردام) ، وجاء إستدعاء من المكتب المركزى الألمانى لهجرة اليهود ليجبر العائلة على الإسراع بعملية الهرب والإختباء ، فترك (اوتو) ملاحظة مزيفة تفيد بأنه فى طريقه الى سويسرا ، بينما قام هو واسرته بالإختباء بالطابق العلوى المهجور من شركته فى يوليو 1942 ، ولم يكن الطريق من منزل العائلة للشركة أمنا ، فبسبب منع القوات الألمانية لليهود من إرتياد المواصلات العامة ، ناهيك عن قتل أى يهودى يتم  الشك فى محاولته للهروب ، إضطرت العائلة للسير لعدة كيلومترات وكل منهم يرتدى عدة طبقات من الملابس حتى لا يحملوا الحقائب ويعرضوا أنفسهم للشك من قبل القوات الالمانية ، حيث كان القتل هو عقاب كل من يقع تحت طائلة الألمان ، حتى لو كانت التهمة لا تتعدى مجرد الشكوك .

إستقرت عائلة (فرانك) فى مخبئها بالطابق العلوى من شركة الأب ، الذى لم يكن يستطيع أن ينجز كل هذه الأمور وحده ، فإستعان بمجموعة من الأفراد من موظفى شركته وأصدقاؤة فيكتور كوجلر ، ميب خيس ، يوهانس كليمان و يوهانس فوسكويجل الذين وفروا الطعام والأخبار والدعم للعائلة التى لم تستطع مغادرة محبسها الإختيارى ، وكان هؤلاء الأفراد من الهولنديين المؤمنين بحق اليهود فى العيش والذين خاطروا بأرواحهم حيث كانت عقوبة إيواء اليهود هى الإعدام الفورى .

يومياتها

 
كان من الممكن ألا نعلم شيئا عن تلك الفترة التى قضتها عائلة (فرانك) فى مخبئها السرى ، لولا تلك المذكرات التى كتبتها (أن فرانك) بإنتظام فى دفتر (أوتوجراف) بحجم الكف ، مزود بقفل لحمايته من إطلاع الفضوليين ، والذى حصلت عليه (أن) كهدية عيد ميلادها الثالث عشر عام 1942 .

على الرغم من صغر سن (أن) أثناء كتابة هذه المذكرات ، إلا أن ظروف الحرب والحصار والهروب ، بالإضافة لكونها موهوبة فى مجال الكتابة ، أعطت لإسلوبها الكتابى رونقا وثقلا لا يتاح لمن هم فى عمرها .

وتدرجت نوعية التدوينات التى تكتبها (أن) بإنتظام ، ففى بداية كتابتها كانت شخصيتها المرحة الاهية الطفولية تظهر بوضوح ، ومن ثم أصبحت كتاباتها أكثر تجهما ، ثم تطورت كتاباتها لتصبح أكثر عدائية وهجوما ، خصوصا بعد إنتقال عائلة يهودية أخرى هى عائلة (فان بالس) للسكن معهم ، حيث كانت تدويناتها الأولى بعد إنتقال العائلة ترحب بإنتقال أشخاص أخرون يكسرون حدة الملل ، ثم بدأت تتطور للعدائية وإنتقاد إستهلاكهم لكميات كبيرة من الطعام القليل بطبيعة حال الهرب التى كانت يعيشونها ، وتطفل الفتى (بيتر) ذى الستة عشر عاما إبن (فان) عليها ، ثم سرعان ما تطورت العلاقة بينهما لحب مراهق ، ثم عادت العلاقة بينهما مرة أخرى للفتور .

لا تستمد مذكرات (أن فرانك) أهميتها من مجرد كونها تأريخا لفترة حرجة من فترات الصراع البشرى ، بل لكونها رصدا دقيقا للتغيرات السياسية والإجتماعية التى أصابت أسرتين يهوديتين فى ظرف غير طبيعى ، ففى أجزاء كثيرة من المذكرات تطرقت (أن) لإكتشافها لنفسها جنسيا كفتاة تودع مرحلة الطفولة وتستقبل مرحلة البلوغ والمراهقة ، وفى أجزء كثيرة أخرى كانت تحمل أسئلة فلسفية عن وجود الله ، وفى كثير من الأجزاء كانت تصف عائلتها والعائلة اليهودية التى إنتقلت للحياة معهم بشكل شبه روائى ، وتصف التأثير السىء للحبس الإختيارى على مشاعرها ومشاعر أختها ووالدها ووالدتها ، كما توضح فى الكثير من أجزاءها تلك المعاناة الرهيبة التى ألمت باليهود أثناء فترة الإحتلال النازى لأوروبا ، حيث أجبرت العائلتين على الجلوس صامتين فى مقاعدهم طوال فترة النهار ، والتحرك بحذر وعلى أطراف أصابعهم أثناء فترة الليل ، ولم يكن لديهم تسلية متاحة سوى القراءة ومتابعة الشجرة الضخمة التى تظلل المنزل ، دون الإقتراب من النافذة –التى كانوا يغلقونها طوال فترة الصباح- خوفا من أن يراهم الألمان أو الجيران .

وتظهر المذكرات الكثير من التغيرات الإنسانية من النقيض للنقيض ، وفى أحد تدويناتها وصفت أمها ب “قلة احترام” وعدم قدرتها على “التصدي للامبالاتها، وسخريتها وجحودها”، قبل أن تقول في النهاية : “انها ليست أمي.” و في وقت لاحق، عدلت مذكراتها، شعرت آن بالخجل من موقفها القاسي، وكتبت : “(آن) هل أنت حقا من أشرتي للكراهية، أوو (آن)، كيف يمكن لك؟”  وفهمت أن الخلافات الناجمة عن سوء التفاهم الذي حدث كان خطئها و خطأ والدتها أيضا، ورأت (أن) أنها قد أضافت أشياء لا داعي لها لمعاناة والدتها. مع هذه الملاحظة، بدأت آن معاملة والدتها بدرجة من التسامح والاحترام.

وفى تدوينتها الأخيرة فى 1 أغسطس 1944 كتبت (أن) تقول :

” أصبح فى البداية مشاكسة ثم حزينة ، وفى النهاية أقلب قلبى ، وأقلب الجانب السىء نحو الخارج والجيد نحو الداخل ، ولا أتوقف عن البحث عن وسيلة كى أصبح مثلما تمنيت كثيرا أن أكون ، ومثلما أستطيع أن أكون ، لو أن … لا أحد يعيش على هذه الأرض .
المخلصة .
أن فرانك “



إعتقالها

بعد ثلاثة أيام فقط من هذه التدوينة ، إقتحمت القوات الألمانية المخبأ الصغير الخاص بالأسرة اليهودية الهاربة ، كان الهجوم نتيجة وشاية لم يتم معرفة من الذى وشى بها حتى الأن ، وتم ترحيل العائلة بأكملها لعدة معسكرات إعتقال حتى إنتهى بهم الأمر لمعسكر (أوشفيتز) للإعتقال ، وهو واحد من أشهر معسكرات الإعتقال النازية ، والذى تمت ممارسة العديد من الإنتهاكات الغير إنسانية مع اليهود فيه ، وتم  فصل الرجال عن النساء فيه ، ثم أقتيدت كل النساء فوق 15 عاما لغرف الغاز ، وكانت (أن) صاحبة الثلاثة عشر عاما واحدة من أصغر الذين نجوا من هذا المصير القاتل ، وظنت أن والدتها وأختها قد قتلوا ، إلا أن هذا لم يحدث .

وتحدث الكثير من شهود العيان أن (أن) أصبحت أكثر إنطواء وأقل رغبة فى الحديث ، وأنه تم حلاقة شعرها بالكامل وتعرية جسدها الصغير من قبل القوات النازية ، وتم وشمها على ذراعها برقم مع من تم وشمهم أنذاك .

وفاتها

 
توفت والدة (أن) جوعا بعد أن فضلت التنازل عن حصتها من الطعام لبناتها ، وتوفت (مارجوت) شقيقة (أن) بعد أن سقطت من فراشها بعد أن أكل الإعياء جسدها .

أصيبت (أن فرانك) فى أخر أيامها بالجرب ، وتم نقلها لمستوصف ملحق بالمعتقل ، والذى لا يقل قذارة عن أى صندوق قمامة ، وعانت الأمرين فى أيامها الأخيرة قبل أن تموت تاثرا بمرض (التيفوس) الذى أصيبت به ، وتم دفنها فى مقبرة جماعية مع أختها ، ولم يستطع أحد الوصول لجسدها حتى اليوم . وبعد عدة أسابيع قامت القوات البريطانية بإقتحام المعسكر وتحرير كل من كان فيه .

تحولها لرمز

 
نجا (أوتو فرانك) والد (أن) من الإعتقال فى (اوشفيتيز) ، وعاد لأمستردام وحصل على نسخة المذكرات التى كتبتها إبنته (أن) ، ومن ثم قام بنشرها ، وتم ترجمتها للعديد من لغات العالم الحية ، وتحولت (أن) لرمز لبشاعة النظام النازى ، وتحولت مذكراتها لواحد من أكثر الكتب مبيعا فى جميع أنحاء العالم ، كما إختارتها مجلة (تايمز) عام 1999 كواحدة من أكثر الأشخاص تأثيرا فى البشرية خلال قرن .

أصالة اليوميات

وتعرضت يوميات (أن فرانك) للكثير من محاولات التشكيك فى أصالتها ، منها إدعاء أن الكاتب الأمريكى (ماير ليفن) هو الكاتب الحقيقى لليوميات ، وأن (أن فرانك) شخصية وهمية غير موجودة ، إلا أنه تم البحث عن أحد الجنود الذين قاموا بإعقال العائلة ، وأقر عام 1963 بأن (ان) شخصية حقيقية وأنه قام بإعتقالها ، وتذكر قيامة بإفراغ حقيبة كبيرة بها الكثير من الأوراق والصور العائلية ، ويُعتقد أن يوميات (أن) كانت إحدى تلك الأوراق .

وفى عام 1978 نشر الكاتب السويسرى (بايبل روسيرشر) كتابا بعنوان (يوميات أن فرانك – الإحتيال) ، إتهم (أن فرانك) بإدمانها على المخدرات لأنها كانت تتناول عقار (الفاليريان) يوميا كما جاء بمذكراتها ، وقال أن المذكرات هى أول عمل أدبى جنسى للأطفال ، نتيجة المقاطع التى تتحدث فيها (أن) عن إكتشافها لنفسها جنسيا .

وإتخذ (أوتو فرانك) والد (ان) الكثير من الإجراءات القانونية ضد كل من تناول مذكرات (ان) بالتشكيك ، وعندما توفى عام 1980 ترك المذكرات للمعهد الوطنى القومى الهولندى لتوثيق الحرب ، والذى قام العاملين به بجهود قوية لبيان مدى اصالة اليوميات ، وقاموا بمقارنة الحبر ونوع الورق وإسلوب الكتابة والخط ، وتم إثبات أن كل المنتجات المستخدمة فى كتابة اليوميات تعود لزمن الحرب أو قبل ذلك ، ولم تكن هذه المهمة سهلة على الإطلاق. إلا أنه فى النهاية تم إعتبار اليوميات أصلية تماما ، وتخص (أن فرانك) نفسها ، مما وضع حدا للكثير من الأقاويل .

ختاما

إن (أن فرانك) فتاة عادية ، وكان من الممكن أن تمر حياتها بشكل عادى لا يلفت أحدا إليه ، إلا أن طبيعة المرحلة التاريخية التى عاشتها ، والظرف الإنسانى الغير عادى الذى عاشته ، حولتها لرمز ضخم ، لمرحلة سوداء من التاريخ الإنسانى ، قد تسليك القراءة عنها مسترخيا فى فراشك ، بينما مجرد تخيل أن تعيش هذه الأحداث ، كفيلا بإثارة الزوابع فى معدتك وعقلك .

محمد حمدى

One Response to “أن فرانك”

  1. sony2000 Says:

    بجد قاه قصه حياتهااو حياه اي شخص عمومااكيد بتضيق لنا الكثيرشكرا لك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: