الزلزال

كان الأب العجوز يراقب كل ما يحدث من موقعة العالى …
كان قد أخذ عهدا على نفسه بعدم التدخل أو الحديث مهما تفاقمت الأحداث سوءا .. حتى إن بعضا من أبناؤة أنكروه وفضلوا أن يواجهوا المجتمع كأبناء حرام مجهولى النسب على أن يربطوا وجدودهم بأب نادر الحديث كثير الصمت …

الصراع على ميراثه – رغم أنه حى لم يمت – كان يأخذ أشكالا أكثر سوءا .. وبدأ الإخوة فى إتهام بعضهم البعض بكل ما يشين ، لكن هذا لم يغيظه مطلقا ، فمنذ أنجبهم وقد أخذ عهدا على نفسه بنبذ المشاعر الإنسانية الطبيعية كالكرة أو الغيظ أو الحقد ، وبقى فى عيون الكثير من أبناؤة كقيمة تعبر عن الحب والصفاء والتسامح .

لم يؤلم قلبه المنهك من إثر التقدم فى العمر سوى هؤلاء الذين إدعوا أنهم على علم بمطالبه من باقى الأبناء ، وأن وحدهم دون غيرهم لهم الحق فى الإفتاء بكيفية توزيع التركة وتحديد أنصبة الباقين ، بما أنهم الوحيدين الذين إستطاعوا تفسير مطالبه التى طالبهم بها منذ قديم الأزل .

ولأنها كانت المكان الذى إستقبله وهو بعد شابا فى مقتبل حياته ، كان الأب العجوز يهتم كثيرا لأمر منطقتنا وأولاده الذين يعيشون فيها ، فهى مصدر الأمان كما قال لهم من قبل ، كما أن كثيرا من أصدقاؤة المقربين مروا بأرض منطقتنا فى فترة ما من فترات شبابهم الماضى …

وكانت الأوضاع فى منطقتنا لا تسر عدوا ولا حبيب .. فعلى الرغم من رحيل الحاج مبروك كبير منطقتنا وصاحب الحل والربط فيها ، إلا أن رجاله لايزالون ينتشرون فيها إنتشار النار فى الهشيم ، لا يؤازرهم على أهلها البسطاء سوى هؤلاء الذين إدعوا قدرتهم على تفسير رسائل الأب العجوز ، هؤلاء الذين إنتشروا وسط أهل المنطقة البسطاء وأخذوا يلعبون بعقول الجميع ويخبرونهم أن أبانا يريد لنا الإستقرار والهدوء ، وأن الإختيار الأمثل أن نختار منهم واحدا من أكبر عقلائهم يكون هو كبير المنطقة وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، وعلينا أن ننسى جرائم الحاج مبروك بحق منطقتنا ، فنحن أولاد الأصول ، وإحترام الكبار من شيمنا وشيم أبانا الذى رحل عن منطقتنا ، إلا أنه يهتم بنا ويرعنا .

وفى سبيل بسط سيطرتهم ، بدأوا فى تشويه باقى رجال منطقتنا ، فهم يكرهون إخوتنا الذين انجبهم أبانا من أمنا السابقة ، ويحاولون فرض إتاوة عليهم مقابل الحماية والأمان ، كما أنهم يكرهون إخوتنا الذين عادوا من المناطق المجاورة لمنطقتنا ومعهم العجب العجاب من دروس العلم ، وأفهموا البسطاء منا أن العلم من السحر ، وأن  السحرة ملعونين فى كل كتاب ، فخرج بعض رجالهم منددين بالسحر والسحرة ، وبدأوا فى التكتل ضد شرفاء منطقتنا … وكان بعضنا إذا ضاق به الحال خرج من نافذة منزله وصرخ : إنت فين يا أبويا تشوف اللى بيحصل فى منطقتك .

أما هو فإتخذ الصمت خير صديق ، وأكتفى بالرسائل التى كان يرسلها لنا ولم يكن يقرأها أحد ، وإن قرأها أحد إستهزأ بها حتى مل أبانا العجوز وتوقف حتى عن مراسلتنا ، وكان المنتفعين من رجال منطقتنا يدعونا للعمل بما جاء فى الرسائل ، فالأب أكثرنا خبرة بطباع أبناؤة فهو من رباهم وأنشأهم وهم بعد صغارا لا يفهمون كلاما .

وكان المتفعين فى ظاهر دعواهم الخير وفى باطنها التحكم والسيطرة ، فهم  يدعون أنهم الوحيدين الذين يملكون حق تفسير وتنفيذ رسائل والدنا ، وكان العالمين منا يقولون أن الرسائل التى أرسلت لنا تحتاج تنقيح يجعلها أكثر ملائمة لحياتنا ، دون أن نمس المبادىء الأساسية التى جائت بها ، فأتهمهم الجهلاء بالحمق والشذوذ ، ونشروا أخبارا مشينة على أهل بيت عقلاء المنطقة .. ولاذت المنطقة كلها بصمت مكبوت .

ومن موقعه العالى حيث المراقبة الصامته هى كل ما يفعله ، كان شعورا إنسانيا يخالط نفس أبانا .. كان قد بدأ يشعر بالغضب يتسلل إلى نفسه بعد أن ركبنا المنتفعين ، وقفز على أكتافنا المتربحين ، ووصل الأمر أن بدأوا بتطبيق التوعدات التى توعد بها أبانا الخاطئين من منطقتنا ، رغم أنه حذر فى رسائل أنه الوحيد الذى يحق له الحكم علينا إن كنا خاطئين أم لا ، وكان ابانا رغم سماحته لا يطيق أن يتدخل أحد فى إختصاصاته .

وزاد الأمر عندما بدأ إضطهاد جهلاء منطقتنا يطول إخوتنا الذين أنجبهم أبانا من زوجته السابقة ، وتم هدم بعض منازلهم وتشريد البعض الأخر ، وتطبيق العقوبات على أخرين .

أما من وضعهم أبانا لحمايتنا فى حال غيابة ، فقد تقاعسوا عن خدمتنا ، رغم أننا قابلناهم بالترحاب إبان الفترة الأولى لرحيل عم مبروك ، وإنقلبوا على الضعفاء منا ضربا وتنكيلا ، وإنضم إليهم الجهلاء يبررون أفعالهم ويأمرونا بالصبر على الإبتلاء …

ضاق بشباب منطقتنا الأحوال ، فإندفعوا من جديد كما إندفعوا إبان بلطجة الحاج مبروك ، تكاثروا فى الميادين والطرقات ، وإن كان بأعداد أقل مما سبق ، إلا أنهم أحبوا أن تصل رسالتهم واضحة للجهلاء والقائمين على الحمايه على حد سواء .. وبدا أن منطقتنا تدخل فى دوامة من الصراع الذى لن ينتهى على خير أبدا …

ورغم صمته الأبدى .. والعهد الذى قطعه على نفسه .. تملك الغضب من نفس أبينا ، فقام من على كرسيه الكبير الموجود فى مكان لا نعلمه … وأدار وجهه عنا بحنق ونظر لإتجاه أخر … وكان إبتعاده بنظره عنا من أكبر علامات غضبه التى لم نرها إلا قليلا …

وفى منطقتنا وتزامنا مع قيام والدنا من مقعده .. صرخ رجل كان يحتسى القهوة وقت العصيرة :

– زلزال .. زلزال …
وخرجنا من منازلنا للشوارع والحوارى المطله على منقطتنا .. نتأمل المنازل وهى تتراقص فى ألم .

* القصة مستوحاة من رواية (أولاد حارتنا) للكاتب نجيب محفوظ . فله الحمد والشكر .

One Response to “الزلزال”

  1. maf2ou3a Says:

    I felt when i was reading it that i was reading naguib Mahfouz, it is great the way you imitated his style

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: