محمد يعقوب على حق

للأسف وكالعادة .. نخلق لأنفسنا مجتمع مثالى ونعيش فيه وندلى بأصواتنا فيه ونعبر عن رأينا فلا نجد سوى التأييد ، ونتصور أن المجتمع الذى خلقناه لأنفسنا هو الواقع الفعلى ، وعندما نخرج إلى أرض الواقع نفاجأ بأننا أقلية ويتم سحقنا بسهولة عند أول مواجهة حقيقية .

هذا بإختصار هو ما حدث فى الإستفتاء على تعديلات الدستور ، أو (موقعة الصناديق) كما أعلنها الكائن الحى المدعو محمد حسنين يعقوب فى إحدى خـُطبة التى تلاقى رواجا كبيرا فى أوساط أنصاف المتعلمين والمتعلقين بحبال الإسلام المتشدد بعد يأسهم فى الحصول على حقوقهم فى الحياة الدنيا .

ما يدور فى عقلى كثير . لذلك سأحاول تلخيصه فى هذه النقاط :

أولا : المجتمع المثالى الذى خلقناه لأنفسنا هو مجتمع الفيس بوك ، حيث تنتقى أصدقائك بنفسك ، وتطرح أرائك بكل ثقة فلا تتلقى سوى التعليقات المؤيدة و علامات (لايك) التى لا تكلف صاحبها سوى كليك ماوس يتيمة ، حتى عندما تقرر فتح الباب لكافة التيارات للنقاش معك يكون الرأى الأخر مستأنث متواضع يرضى غرورك ويقنعك بأنك (عملت اللى عليك) وتقبلت كل الأراء ، هذا لأن الفيس بوك رغم إتساعه هو مجتمع مغلق على فئة يمثلها كحد أدنى المتعلمين فى المرحلة العمرية من 20 حتى 40 عاما ، وتبقى أى فئات إجتماعية أو عمرية أو تعليمية أخرى مجرد شواذات تؤكد القاعدة ولا تنفيها .

ثانيا :
بينما أنت تمارس حياتك الوهمية على الفيس بوك الوهمى ، فهناك من هو أكثر فهما لعقلية القاعدة العريضة من الشعب ، وأكثر قدرة على الوصول إليها ، وأكثر قابلية على التأثير فيها ، لا يستلزم معرفة أفكارة التعامل مع الإنترنت ، فهو على بعد خطوات بسيطة على شاشة (الدش) الذى يكلف شراؤة أقل من مائة جنية ، حديثه متاح على مدار الساعة عبر مجموعة من القنوات الدينية التى لا تخضع لرقابة أى مؤسسة دينية أو سياسية محترمة ، ناهيك من أنه يحمل جواز سفر لكل العقول والقلوب ، وهو القرأن والسنة ، التى يمكن توجيههم لأى أغراض دنيئة دون مجهود يُذكر .

ثالثا : أنفقت أنت مجهودك اليومى على مدى أسابيع لتُقنع أصدقائك على فيس بوك بما هم مقتنعين به أساسا .. تشاركتم نفس الوصلات وسمعتم نفس التحليلات ، ووضعتم كلكم الخلفية الحمراء التى كُتب عليها بالأبيض (لا) ثم خلدتم جميعا للنوم متصورين أنكم غيرتم العالم وصنعتم التاريخ .   وعندما كنتم نائمين كان عم (عبدة) والحاجه (فوزية) وغيرهم يخضعون لحملة غسيل مخ على يد الشيوخ الذين يتحدثون العامية دون (كلكعة) ويسبقون كلامهم بالصلاة على النبى (عليه الصلاة والسلام) ويختمون كلامهم بالدعاء لأمة الإسلام ، وبين المقدمة الكريمة والخاتمة الشريفة يدسون كل السموم العقلية التى يريدونها فتتشربها الأدمغة التى تلقت مستوى تعليم ضئيل ووضع مادى أكثر ضئالة  كالأسفنج .

رابعا : أنت الأن تشعر بالحنق ، وتشعر أن الفئة البسيطة من الشعب قد تم خداعها ، لكنك لا تعلم أنك شخصيا شاركت فى هذا الخداع ، فالطبقة التى تدنى مستواها التعليمى والمادى وجدت فى شيوخ التطرف الدينى شخوصا تحترم طريقة تفكيرها ، بينما لم تحترم أنت طريقة التفكير تلك ، هل فكرت يوما فى تبادل نقاش سياسى أو دينى مع عم (فكرى) الذى يلمع حذائك بينما تقرأ أنت (المصرى اليوم) ؟ حتى إن كنت فعلتها وتجاذبت معه أطراف الحديث ، أنت تجعله يشعر فى كل لحظة أن (البيه) نزل من برجه العالى وقبل  أن يتجاذب أطراف الحديث معه .. (البيه) المتعلم المتفتح الذى يقرأ (الجورنال) ويدخن (الشيشة) التى يتجاوز ثمنها ثمن وجبة غذاؤة ، (البيه) الذى لا يعيش عيشته ولا يأكل أكله ولا ينام فى منزل مكون من غرفة واحدة مع سبعة أطفال وأمهم  .. لذلك لا تنخدع إن إقتنع عم (فكرى) بكل ما تقوله فهو يتظاهر بكل ذلك طمعا فى جنيها إضافيا عند الحساب ، لكن عندما يأتى المساء سيجلس عم فكرى أمام قناة (الرحمة) أو (الناس) أو غيرها ليستمع لشيخ يرتدى كما يرتدى ويتحدث كما يتحدث ولا (يتفذلك) عليه لغويا أو عقليا .. أنت لا تعرف أنك قد تكون أكثر مالا أو علما من (عم فكرى) إلا أنه يملك ذكاء إجتماعيا خارقا يجعله يفرق تمام التفرقة بين (الأفندى) الذى يتحدث معه من برج عالى و (حضرة الشيخ) الذى يتحدث معه متربعا على الأرض المتربة مثله .

خامسا : أنت شخصيا تعرضت للخداع دون أن تدرى .. خرج عليك كل المثقفين المتشدقين مرتدى النظارات الطبية والبدل الغالية ليخبروك أن (تأثير الإخوان والسلفيين محدود للغاية) ، ناهيك عن تصريحات القيادات الإخوانية والسلفية التى تصب فى الإتجاه ذاته ، لا تنسى أن أخر من حذرك من الخطر الإخوانى السلفى إذا تواجدت الديموقراطية كان الرئيس السابق حسنى مبارك ، الذى لم يترك فرصة دون أن يهدم لديك كل مصداقية لتصريحاته .. إرتضى السلفيين والإخوان أنفسهم الظهور بمظهر (الغلابة) الذين لا يملكون تأثيرا على الشعب ، بينما الطبقة العريضة من الشعب تنضم إليهم يوما بعد يوم ، والزوايا التى يلقون خطبهم فيها تمتلىء بالمصلين يوما بعد يوم وتتسع أرضيتهم يوما بعد يوم وأنت غارق فى عمل (لايك) على صفحات الفيس بوك وقراءة مقالات (أحمد خالد توفيق) التى تعطيك أملا أن هناك من يتفهمك ويتحدث بإسمك بينما هو الأخر لا يؤثر سوى فى أمثالك من الشباب المتعلم الراقى .. جرب أن تسأل ألفا من بائعى الخضر أو جرسونات المقاهى أو طباخى المطاعم عن أحمد خالد توفيق واراهنك بألف جنيه أن يعرفه أحدهم . بينما سأصبح مليونيرا إن راهنتك بقرش واحد نظير كل واحدا منهم يعرف محمد حسنين يعقوب أو وجدى غنيم .

سادسا : العالم الوهمى لفيس بوك أعطاك إنطباعا زائفا أنك أديت مهمتك نحو مجتمعك ، لذلك يأتى نقاشك مع من هم أقل منك علما ومالا مترفعا متعجلا عصبيا .. أنت تناقش عم عزت سائق سيارة الأجرة الذى يقلك للعمل على مضض ، تحدثه عن حكومة التكنوقراط والقائمة الفردية للإنتخابات ، وضرورة إنهاء المطالبات الفئوية ! وإذا أبدى عدم فهمه أو مخالفته لك يعلو صوتك لاعنا دين غباؤة وأم ضيق أفقه .. تصل الى العمل شاعرا بالرضا لإنتصارك فى المناقشة ، وتنسى الأمر على الفور .. بينما يترسخ إعتقاد لدى عم عزت أن أمثالك هم مجموعة شباب (25يناير) الذين قوضوا الإستقرار ونشروا البلطجية وتعالوا عليه فكريا .. بعد نهاية وردية العمل المتعبة .. وبالإستعانة بكوب شاى وسيجارة كليوباترا سوبر سيخرج عليه محمد حسنين يعقوب بجلابية بيضاء مريحة وإبتسامة واسعة ولغة عامية أبسط من البساطة .. وبكم كبير من الأحاديث النبوية والأيات القرأنية .. سيمتص طاقة غضبه على أمثالك وسيخبره أنهم حفنة من الحمقى الأغنياء (والأغنياء بالنسبة لعم عزت هم بالضرورة حفنة من الفاسدين أولاد الكلب) الذين لا يفقهون شيئا فى الحياة العملية .. سيشعر عم عزت أنه ملك متوج ، وأنه بدينه أسمى وارقى من هؤلاء (الأفندية) .. وسيصبح مستعدا نفسيا لعمل كل ما يخبره به (يعقوب) وكل من هم على شاكلته .

سابعا : تصلك نتيجة الإستفتاء فتشتم وتلعن وتتهم الطبقة الدنيا من المجتمع بالتخلف والجهل ، بينما مسئولية تثقيفها والتواصل معها كانت مسئوليتك الحقيقية لكنك نسيتها تحت تأثير جرعات (الفيس بوك) اللحظية . تشمئز من عم عزت وعم فكرى والست فوزية وكل من هم على شاكلتهم فتزداد الهوة بينك وبينهم ويكسب الإخوان والسلفيين أرضا جديدة بنفورك .. تترفع عن إستخدام الدين فى إقناع من أمامك وتنسى أنه الوسيلة الوحيدة لإقناع هؤلاء الناس ، وتنسى أنك لو كنت تملك معلومة دينية واحدة صحيحة مقابل عشر معلومات دينية خاطئة يملكها (يعقوب) ولو كان لديك القدرة على إيصالها لهذه الطبقات لما وجد (يعقوب) وأمثاله القدرة على  كسب كل هذه الأرض .

كنت أود أن أطرح فى هذه الموضوع أساليب عملية لكيفية التعامل مع هذا الوضع المعقد ، إلا أننى أثرت أن أترك لكل منا التفكير بإنفراد فى كيفية الوصول للطبقة الأقل ثقافة وعلما ومالا ، فمهما كانت أفكارى عبقرية فلن تصل لإجمالى تفكير كل من يقرأ هذا الموضوع ، كل ما حاولت عمله هو أن أضعك على بداية الطريق الصحيح للتفكير العملى الحقيقى الفعال للتغيير فى مصر بعيدا عن الفيس بوك ومقالات الرأى فى الجرائد والمجلات .. فكر فى طريقة فعالة  للوصول لعم فكرى والست فوزية .. أو ألقى بكلامى فى سلة مهملات عقلك وإستمتع بعمل (لايك) و (شير) على فيس بوك .


محمد حمدى

5 Responses to “محمد يعقوب على حق”

  1. يا مراكبي Says:

    More than greatAlso see this http://yamarakby.blogspot.com/2011/03/blog-post.html#links

  2. maf2ou3a Says:

    I cannot just tell you how much I loved your article its more than right more than perfect, I cannot agree more, I wish I can write this comment in Arabic to better express myself but I am so slow in Arabic and I felt I need to write this as fast as I can not to lose the feeling, we lived in our virtual words satisfied with our virtual company and forgot that the world doesnot function this way.

  3. ehabafndy Says:

    أحب أضيف لحضرتك إن طريقة لغة الحوار و أسلوب كلامك عن المشايخ بطريقة هذا الكائن و امثال يعقوب و أسلوب التقليل من الشأن و الإمتهان للآخر يزيد من نفور الطبقات الشعبيه منك و من كلامك أى يأتى بنتائج عكسيه تماما إظهارك للإحترام للآخر سيجعل البسطاء يقبلون أن يسمعوا وجهة نظرك…..و شكراو علا فكره أنا من الأربعه مليون إللى قالوا لا فى الإنتخابات

  4. sony2000 Says:

    عندك حقبس الاهمنتعلم من غلطنا

  5. انا حره Says:

    اكثر من رااائع بجدتحياتى لحضرتك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: