>نقاء الثورة ومستنقع السياسة

>

فى عام 1973 .. تحديدا يوم 6 أكتوبر .. كانت الأوامر الصادرة للجيش المصرى هى عبور المانع المائى لقناة السويس ، تحطيم خط بارليف .. إحتلال المنطقة الواقعة خلف المانع العسكرى الذى يمثل كابوسا للقوات المسلحة أنذاك .

بحسب كتاب (أكتوبر 73 السلاح والسياسة) للعظيم محمد حسنين هيكل ، فإن السادات كان غير واثقا فى قدرات قواته المسلحة ، وكانت التقارير المنطقية تشير لتعرض الموجات الأولى للعبور لإبادة فورية ، إلا أن الحقيقة على الأرض كانت غير ذلك تماما .

منذ اللحظات الأولى للقتال إستطاع المقاتل المصرى المكبوت غيظا والمنفجر غضبا أن يصنع معجزة عسكرية بكل المقاييس ، ولم تمر ساعات ست إلا وكانت الأهداف الأولية للسادات قد تم تحقيقها بنجاح منقطع النظير وبنسبة خسائر أقل بنسبة 99 % من تلك التى كانت مُتوقعة .

فى عام 2011 ، وتحديدا فى 25 يناير ، كان الشباب المصرى المشارك فى التظاهرات غير مقتنعا بقوة تأثيرها ، وجدت يوم 24 يناير الكثير من الدعوات للنزول للشارع رغم عدم التأييد وعدم الثقة فى جدوى التظاهر .. ثم جائت الساعات الأولى من 25 يناير ليفاجأ الجميع (وأولهم الشباب المشارك فى التظاهرة) أنهم حققوا أضعاف أضعاف ما تصوروه مسبقا ، وأن كلمة (مظاهرة) تتحور بسرعة إلى كلمة (ثورة) .

الجيش المصرى الذى وجد نفسه فى صحراء أرضه المحتلة وحيدا لا يجد من يحاربه أصيب فى الأيام الأولى للقتال بتضارب طفيف .. حتى قيادته السياسية المنبهرة بالنتائج التى حققها وقفت مدهوشة بالنتائج حتى أن قراراتها (والكلام لايزال للأستاذ محمد حسنين هيكل من كتابه السابق) جائت متخبطة وغير منتهزة للنصر الذى تحقق ، حتى أن قرار إحتلال المضايق فى سيناء لتخفيف العبء عن الجبهة السورية جاء متأخرا فتسبب فى ما عرف بعدها بـ (ثغرة الدفرسوار) .

أعتقد أن شباب التحرير يمرون الأن بمثل هذه المرحلة من التخبط .. لقد رتبت وجهزت لحدث معين وتوقعت نتائج معينة ، فجائت النتيجة بأضعاف النجاح الذى توقعته ، وخبرتى الشخصية بالحياة تخبرنى أن الوصول للمنتهى فى أى أمر يساوى أحيانا الوصول للقاع ، فالوصول لقمة النجاح بشكل مفاجىء قد يوازى أحيانا الوصول لقمة الفشل .. الإحساس بالتخبط الناتج عن تحقيق النتائج الإيجابية بسرعة غير متوقعة يساوى أحيانا الشعور بالتخبط عند الفشل المفاجىء ، بل أن نتائح التخبط فى حالة الوصول للنجاح قد تزيد عن نتائج الفشل .

لقد فوجىء شباب التحرير أنهم خرجوا من معترك الثورة والتظاهر التى يدركون جيدا كيفية التعاطى معها لمعترك السياسة والاعيبها بما تحملة من أطياف ألوان متعددة بعيدا عن الأبيض والأسود الذى تعود الشباب التعامل معهم .
الأسوأ أن لعب السياسة مع ساسة شباب غير مخضرمين قد يكون محتملا ، أما اللعب مع سياسى مخضرم كالسيد عمر سليمان ، بالمنصب السابق الذى كان متربعا على عرشة ، وخبرته التى أهلته لمنصبة الحالى ، وأيضا أسماء كأحمد شفيق أو حتى الرئيس حسنى مبارك الذى أعتقد أنه داهية سياسى مخضرم حنكته طول فترة إمساكة بزمام الأمور فى مصر تجعل المهمة شاقة على قلوب الشباب البيضاء ، ومجهدة لعقولهم البكر التى لم تتلوث بعد .

الخوف على شباب التحرير اليوم ليس من طلقات الأمن المركزى ولا هراوات ظباط المباحث .. الخوف الأن من بركة السياسة .. السياسة التى قال عنها العبقرى الراحل الباقى صلاح جاهين وكإنما يخاطب المتظاهرين اليوم :

قالوا السياسة مهلكة بشكل عـــــــــــام
و بحورها يا بني خشنة مش ريش نعام
غوص فيها تلقي الغرقانين كلهــــــــــم
شايلين غنايم .. و الخفيف اللي عـــــام
عجبي !!!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: