>قبل الإنفجار

>

11:00 مساء

برد ديسمبر السكندرى فى عام يلفظ لحظاته الأخيرة .. شارع خليل حمادة .

مقعد السيارة الأمامى يضيق به .. على المقعد الخلفى تستقر الشحنة القاتلة .. لا يوازى ضيق السيارة (السوزوكى) سوى ضيق صدره .. من كاسيت السيارة يأتى الصوت الخشن :

– إن سكوتنا على إحتفالاتهم حرام . إن صمتنا على ما يرتكبونه فى كنائسهم حرام .. إننى أناشدكم أن تمتنعوا عن مبادلتهم السلام والكلام .. إن عدم تمسكنا بديننا هو الذى يدفعهم للغى والتمادى

على التلبلوه يستقر جهاز التفجير الصغير بالذر الأحمر اليتيم المنذر بالويل …

فتى وفتاة يدخلان الكنيسة .. يشبكان اياديهما بعضها البعض .

11:30 مساء

نغمة (يا طيبة يا دوا العطشان) تدوى فى السيارة .. ينتفض جسده على الرغم منه ويضغط زر الإجابة بعنف مُبالغ فيه …

– ايه أخبار الفرح ؟
– الحمد لله .
– التورته وصلت؟
– الحمد لله .
– المعازيم كتير؟
– أكتر مما تتخيل .. هتكون مفجأة قوية .
– ربنا معاك
– السلام عليكم .

11:40 مساء

سيدة أربعينية تصطحب زوجها وتدخل الكنيسة .. ضاقت أبواب الطب فجائت تطلب بركة العذراء فى العام الجديد أن يرزقها طفلا واحدا لا غير .

طفل يقترب من المخبز المجاور للمسجد المواجه للكنيسة ..
“بجنية عيش فينو يا عمو “
– اسمك ايه يا شاطر ؟
– اسمى محمد

من راديو المخبز يتعالى صوت التلاوة القرأنية من إذاعة القرأن الكريم مختلطا بالكهرباء الإستاتيكية لبرد ديسمبر

” ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون “

11:45 مساء

رجل عجوز تجاوز السبعين يدلف للكنيسة .. ان بقى فى العمر بقية فستكون فى طاعة الرب

 يخرج الصوت من كاسيت  السيارة (السوزوكى)

” لازم يلاقى منك حزم فى معاملته .. كفاية إنه مش بيدفع جزية .. لازم يحس إنه تحت وإنت فوق .. لإنك أحسن منه بإسلامك “

دخان سيجارة rothmans يخرج من صدر ضاق بالحياة الى شفاة مرتجفة خوفا وبردا .. أحيانا لا يدرى لماذا يشعر بالخوف بينما هو الممسك بجهاز التحكم بالشحنة ؟

يسمع ارتطاما بالسيارة فيقفز فى المقعد بعنف وهو يشهق .. يطالع عبر الزجاج المشبر ببخار أنفاسه طفلة صغيرة تخبط بأصابعها على الزجاج .. يلاحقها صوت لائم :

– بطلى لعب فى العربيات يا ميرى .. هنتأخر على القداس !
– لامؤاخذة يا أستاذ …. أنا اسفة .

تخرج منه كلمات غير مفهومة من فرط الرعب .

11:50 مساء

” يا طيبة .. يا طيبة .. يا دوا العطشانـ…”

– كله تمام ؟
– كله تمام .. الحمد لله
– وصل التورته للفرح بعد 10 دقايق بالظبط
– تمام
– ربنا يوفقك
– تمام
– السلام عليكم

داخل الكنيسة ترتفع أصوات الصلوات

أبانا الذي في السماوات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك.

لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض.

11:51 مساء

يقترب شاب من الكنيسة مسرعا .. يمسك موبايل نوكيا رخيص فى يده  اليسرى ويتحدث بصوت خفيض :

” يا حبيبتى انا داخل الكنيسة دلوقتى .. هصلى انى الاقى شغل السنة دى .. مش هقدر أصبر سنة كمان واحنا مش فى بيت واحد .. هصلى لك معايا “

تأتى أصوات الصلاة من الداخل

خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم.

11:55 مساء

انتهى شريط الكاسيت من بث سمومة .. على سبيل التسلية انتقل قائد السيارة (السوزوكى) لمتابعة الأخبار عبر الإذاعة .

” اعلن المدعى العام المصرى أنه أصدر توجيها للأجهزة الأمنية بسرعة ظبط الإسرائيليين المتورطين فى قضية التجسس الأخيرة .. هذه الأخبار تأتيكم من إذاعة راديو سوا .. نستمع الأن لأغنية (عينى وأنا شايفة) لعمرو دياب “

11:58 مساء

لا يسيطر الأن على الرعشة التى تنتاب أطرافة .. يتأكد مرة أخيرة من دقة التوصيلات وقوة بطارية جهاز التفجير .

11:59 مساء

يترجل من السيارة .. يحكم اغلاق الابواب والنوافذ .. يلتفت للراديو الذى لا يزال ينقل بث الإذاعة

” وفى سياق متصل أعلن تنظيم القاعدة فى تسجيل صوتى أنه يتوعد الـ … “

أغلق الراديو

مشى بخطى مرتجفة حاول أن يكسبها بعض الثقة حتى لا يشك أحدا بأمرة إلا أنه فشل فى النهاية .. إتجه لأول منعطف بجوار المخبز .. أخرج جهاز التفجير من جيبة .. أمسك به بأصابع باردة مرتجفة
صوت المذياع يخرج من المخبز :

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

وأصوات صلاة الكنيسة

وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.

ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير.

12:00 صباحا

يضغط زر التفجير

يدوى الإنفجار المختلط بالصرخات من الكنيسة والمسجد معا

3 Responses to “>قبل الإنفجار”

  1. sony2000 Says:

    >بجد ربنا يستربقيت اخاف من اللي جاي

  2. dr.lecter Says:

    >ربنا يستر

  3. إبتسام مختار Says:

    >واضح انه كان أقل بكتير من انه يكون مقتنع باللى بيعملهو أضعف بكتير من انه يقدر يكمل حياته بعد اللى هيعملهعشان كده كان مجرد انتحارى .. مجرد إرهابىحسبنا الله ونعم الوكيل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: