>قرشين صاغ

>

عندما وصلت للمنزل ونقدت سائق التاكسى نقودة ، أوقفنى السائق بنظرة شك وهو يعيد إلى إحدى قطع النقود المعدنية …
– ده مش نص جنية يا أستاذ !
حدقت فى العملة المعدنية الغريبة للمرة الأولى … كانت تشبة عملة النصف جنية المعدنية التى تم إصدارها قريبا .. نفس اللون والحجم .. إلا أنه كتب عليها بخط دقيق (2 قرش) .. … تذكرت حينها أننى إبتعت بعض المشتريات قبل أن أستقل التاكسى .. ربما أعطانى البائع هذه العملة النادرة على سبيل الخطأ أو على سبيل التخلص من عملة فاسدة ببعض (الحداقة) .
 إحتفظت بالعملة المعدنية فى حافظة نقودى .. وبدأت فى تخيل تاريخ هذه العملة القديمة ..
ربما سقطت هذه العملة فئة القرشين بيد أحد الأطفال بإحدى قرى مصر .. حصل عليها كمكافأة من شيخ الكتاب  الكفيف لإتمامة حفظ جزء (عم) من القرأن الكريم بنجاح  .. طار بها الفتى الصغير مرتديا الجلباب المرقع والحقيبة المصنوعة من القماش المتسخ الى الحاج عبد المجيد بائع الحلوى بالقرية .. طلب منه أن يعطية بثمنها بعض (الحلاوة) كما يسميها أبناء القرى … وأستقرت العملة الصغيرة بدرج الحاج عبد المجيد .
بعدها بيومين إستقرت العملة بيد (تحية) فتاة القرية اللعوب  ومصدر المتعة الحرام لرجال القرية ومراهقيها .. لم ترضى بمبلغ القرشين فى البداية إلا أن بعض الفصال أنهت الخلاف على ثمن الليلة المحرمة .. كان يجب أن ترضى بالمبلغ فهى تحتاج لإطعام طفلها الوحيد بعد أن إختفى زوجها فى العراق أثناء البحث عن لقمة العبش .. إتهمتها القرية بالعهر لغياب زوجها فتحولت تدريجيا حتى وصلت فعلا لما كانت تتهمها القرية به زورا فى أحد الأيام .
طارت العملة لدرج الدكتور فتحى صيدلى القرية ثمنا لشريط حبوب منع الحمل الذى إشترته تحية فى اليوم التالى حرصا على إستمرارها فى العمل دون موانع قدرية ومصائب غير متوقعة .. بعد ثلاثة أيام كاملة من البيات فى مكان مظلم فى درج نقدية الخزينة شعر دكتور فتحى بالذنب لبيعه حبوب منع الحمل للعاهرات والأدوية المقيدة على قائمة المخدرات لأوغاد القرية ..  إنتقلت ليد الشيخ عثمان مجذوب القرية ومصدر بركتها لقاء قيامة بتبخير الصيدلية جلبا للبركة ودرئا للمعاصى .
إشترى بها الشيخ المجذوب بعض الفول والفلافل والخبز من مطعم عم شعلان المتسخة ببقايا الطعام .. اتسخت العملة ببعض ملح المخلل وإستقرت مع العديد من العملات الأكثر قيمة فى صرة ضخمة دفعها عم شعلان كإتاوة لمدبولى بلطجى القرية .. زاد ملوحة الطرشى المترسبة على العملة ملوحة قطرات دموع الذل المتساقطة عليها من عيون عم شعلان .
إنتقلت العملة فى رحلة شاقة من القرية الصغيرة فى دلتا مصر الى جنوبها .. دفعها مدبولى ثمنا لطلقتين خرطوش لبندقيته القديمة التى كان يستعملها قديمها فى طرد اللصوص إبان خدمته فى الداخلية ، ثم تحولت البندقية وصاحبها لخدمة أصحاب المال للقيام بأى عمليات قذرة داخل القرية أو خارجها … الداخلية لا تدفع جيدا للغفراء .. والظباط حديثى التخرج يهينون الغفير الذى يزيد عمرة عن أكبرهم بالضعف .. إستقرت أخر الطلقات الميرى فى صدر أحد الظباط الشبان عندما صفع مدبولى على قفاه .. ومن يومها تحول مدبولى من أحد غفراء القرية لأول المطلوبين فيها وأحد أشهر قاطعى الطريق وجالبى المشاكل .
دفعها تجار السلاح فى الصعيد لأحد المجندين الجدد بالجيش .. أقنعوه أن يشتروا منه عدة طلقات ولن ينتبه أحد للفارق الذى يمكن بسهولة الإدعاء بإستهلاكة فى إحدى تدريبات ضرب النار .. وافق المجند البسيط حتى يستطيع شراء الدواء لوالده المريض .. إستقرت العملة فئة القرشين من جديد فى يد صاحب إحدى الصيدليات دفعها نظير تذكرتى سينما له ولخطيبته .. وفى ظلام قاعة العرض مارسا بعضا من الحرية التى لا تتاح لهم فى منزل خطيبته .
إزدحمت العملة فى أدراج إيرادات السينما .. قفزت الى جيب أحد منتجى السينما كجزء ضئيل من ثمن فيلما جديدا من عينة أفلام المقاولات التى تتخصص هذه السينما فى عرضها ، كانت معظم اللقطات الحوارية للفيلم من خلال وقوف البطلة بشكل مواجه للكاميرا بينما يقف البطل خلفها يحدثها وهى تعطية ظهرها .. الوضعية التى لا يقوم بها أى إثنان يتحدثان فى الحقيقة ، إلا أن مخرجى الأفلام يصرون عليها لأنها تعطيهم الفرصة لتصوير إنفعالات البطل والبطلة بأقل مجهود .
إستقرت العملة من يد المنتج ليد بطلة أحدث أفلامه كجزء من أجرها عن الفيلم الجديد .. دفعته هى الأخرى للخادمة كتصفية حساب بعد أن ظبتها تسرق السمن من العلبة الكبيرة بالمطبخ .. الخادمة الصغيرة إضطرت للسرقة حتى توفر بعض الطعام فى منزل أسرتها بعد إصابة أمها بمرض غامض – أنذاك – تسبب فى سقوط شعر أمها بالكامل نتيجة العلاج التى تتلقاه فى مستشفى صغير يدعى (معهد الأورام) …
إنتقلت العملة الصغيرة لخزينة موظف معهد الأورام .. إختلسها مع كمية ضخمة من المال قبل أن يقوم بإحراق مكتب الإدارة المالية بالمعهد فى يوم إجازته لإخلاء المسئولية عن نفسه كتقليد يتبعه معظم السارقين الحكوميين . إستعمل المبلغ لشراء بعض الأسمنت والزلط لبناء منزله من الطوب الأحمر بعد أن مل من الحياه فى منازل الطوب اللبن .
إستقرت العملة فى يد المقاول الذى بنى عمارة أمين الخزنة اللص .. يعرف المقاول يقينا أن العمارة لن تصمد كثيرا إلا أنه عندما تحدث الكارثه سيكون هو فى ليبيا يتمتع بثروته .. إنتقلت العملة فئة القرشين لخطاط كتب يافطة ترشيخ إنتخابية لعضو مجلس شعب .. دفعها هو الأخر لأحد البلطجية لمنع أنصار منافسة من الذهاب للدائرة الإنتخابية ..
إستقرت العملة فى يد بائع السوبر ماركت ثمنا لسيجارتين (كيلوباترا) إشتراهم البلطجى .. بعد رحيلة إكتشف صاحب السوبر ماركت أن العملة مزيفة وأنه تم وقف التعامل بها منذ فترة .. وضعها جانبا فى إنتظار أول مغفل يمر به .
إشتريت بعض حاجياتى فأعطانى البائع العملة الصغيرة فلم أنتبه .. نقدتها لسائق التاكسى كجزء من حسابة فإنتبه لها وأعادها لى …
وقفت أتأمل العملة بينما إنطلق السائق لاعنا الأوغاد الذين يحاولون النصب على أمثاله من الذين يحفرون الصخر بحثا عن القرش الحلال .
محمد حمدى

One Response to “>قرشين صاغ”

  1. Mohamed Meligy Says:

    >Why all you could think of is so many crimes an such out of infinite other possibilities? This is sick!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: