>عملية الأربعون ثانية جـ2

>

صبيحة العرض العسكرى … إستيقظ المشاركين فى العرض العسكرى مبكرا .. تسبقهم قوات تأمين حماية الرئيس والتى تقع كمسئولية مشتركة بين وزارة الداخلية والمخابرات العامة والحربية ، بالإضافة لقوات الحرس الجمهورى والقوات المسلحة … إنطلقوا جميعا مبكرين إلى العمل …

إلى العمل أيضا .. إنطلق فريق الإغتيال .. كانت الخطة جاهزة وإتخذ الجميع مواقعهم النهائية ..

خالد الإسلامبولى : مسئول التنفيذ رقم 1 .. يذهب الكثيرون للإعتقاد أن هذا المولود فى المنيا عام 1958 هو صاحب الدور الأكبر فى عملية الإغتيال ، إلا أن رأيى الشخصى أن نصل السكين لا يهم مكان غمده بقدر ما يهم من كان الممسك بقبضتها ، وهو فى هذه الحالة عبود الزمر ، المخطط الرئيسى ، والذى لم تكن العملية لتنجح بدونه .

تؤكد الشواهد أيضا أن (الإسلامبولى) كان متهورا ولا يهتم بالتفاصيل ، وأن (الزمر) كان يمارس نوعا من السيطرة العقلية عليه ليوجه هذا التهور للمكان الذى يريد بالظبط .

وبشكل عام يمكن القول أن أفراد أى عملية إرهابية يكونون نوعان .. الأول : نوع يهتم بالتفاصيل والتخطيط والتمويل ، لكنه لا يملك القوة العضلية ولا الفعلية على القيام بالعمل العنيف ، والنوع الثانى : عنيف متهور لا يقوى على التفكير المنظم ويحتاج لمن يوجهه بإستمرار ، ويمكن القول هنا أن الزمر كان من النوع الأول بينما كان الإسلامبولى من النوع الثانى .. وكان إتحادهما معا يعنى … عملية قاتلة .

حسين عباس : كان حسين قناصا محترفا بالقوات المسلحة المصرية ، وظهر إحترافه جليا فى عملية الأربعون ثانية ، وعلى الرغم من عدم تسليط كثير من الضوء عليه ، ورغم نحول جسدة وشخصيته الإنطوائية ، إلا أننى أعتبره من أهم عوامل نجاح هذه العملية ، وهو ما سيظهر عند تناولنا لعملية الإغتيال ذاتها .

عطا طايل : من الأفراد الذين تم العهد لهم بمحاصرة المنصة من الأجناب وحصد أكبر عدد من أرواح الصف الأول من المنصة بالتعاون مع أخر أفراد كتيبة الإعدام .. عبد الحميد عبد السلام .
إستيقظ السادات على مداعبات من حفيدته (ياسمين) فى وقت ما بين التاسعة والنصف والعاشرة صباحا .. كانت معنوياته مرتفعة وتأكد الدكتور محمد عطية طبيب القلب بجامعة عين شمس أن صحة الرئيس الذى أصيب بنوبتين قلبيتين فيما قبل بأفضل حال …

قام الرئيس ببعض الإتصالات الهاتفية الروتينية بإبنه وبنائبة وبوزير داخلية دولته ، ثم بدأ بعد تناول إفطاره الخفيف المكون من الشاى بدون سكر والبسكويت فى إرتداء بذلته العسكرية التى صممها بنفسه وإستقى خطوطها الرئيسية من الزى العسكرى الألمانى النازى ليكتشف مفاجأة غير سارة ، حيث كان مقياس البذله ضيقا بحيث أصبح  الرئيس بين خيارين لا ثالث لهم ، إما أن يستغنى عن السترة الواقية من الطلقات المُصنعة من أجود وأقوى أنواع الحرير ، أو أن يغير بذلته العسكرية بالكامل .. ولم يتردد السادات فى الإختيار الأول رغم إلحاح زوجته على أن يرتدى القميص الواقى .

ومالايعرفه الكثيرون أن خيار إرتداء القميص من عدمه لم يكن ليغير من الأمر شيئا ، حيث قال عبود الزمر فيما بعد أن الطلقات التى تم إستخدامها كانت من النوع المجهز لتفجير القمصان الواقية من الرصاص ، وهى رصاصات ممنوعة دوليا من التداول والإستعمال إستطاع (الزمر) الحصول عليها بطريقة أو بأخرى .

إتجه السادات الى المنصة ، وإستقر فى مجلسه بجوار نائب الرئيس أنذاك حسنى مبارك ليبدأ الفصل الأخير من عملية الأربعون ثانية .

أثناء العرض العسكرى حدثت الكثير من المفارقات التى أدت لتسهيل عمل الجناه .. إشتبكت ملابس أحد الجنود المشاركين فى العرض بعجلات لدراجة البخارية التى كان يقودها مما أدى لتعثرة وسقوطه أرضا ، فإقترب منه أحد زملاءه وساعده على الإبتعاد عن المنصة حتى لا يفسد التشكيل المنظم للعرض .

أيضا تعطلت إحدى سيارات نقل الجنود بغته ، وأضطر جنودها لدفعها دفعا بعيدا عن مسار العرض .

 

لذلك عندما توقفت السيارة التى تحمل خالد الإسلامبولى ورجاله بغته ، لم يتصور أحد الجالسين فى المنصة أن خالد كان يسحب مدفعه الرشاش وهو يهتف بالسائق : أقف وإلا هقتلك ! .. كانت عيون الجميع متعلقة بالعرض الأوكروباتى للطيران الحربى المصرى الذى كان يشق السماء ويطلق ألوانا باهرة ، وكانت أذانهم متعلقة بصوت المذيع الداخلى وهو يهتف واصفا رجال المدفعية الذين كانوا يمرون فى نفس اللحظة …

رجال المدفعية المصرية الذين …..

عطا طايل يترجل من السيارة المتوقفة … ينزع فتيل قنبلته ويلقيها بإتجاه المنصة .. تنفجر القنبلة بعد خمسة عشر مترا فلا تصيب أحدا …

إستطاعوا إسكات دفاعات العدو …

عبد الحميد عبد العال يلقى قنبلته هو الأخر تجاه المنصة .. تصطدم القنبلة بالحاجز الأمامى للمنصة وتنفجر دون أن تحدث خسائر … يبدأ المشاركين فى الإفاقة من الصدمة وبدأ أسرعهم فهما فى إدراك حقيقة أن ما يجرى ليس مجرد عطلا طارئا أصاب سيارة مشاركة فى العرض ..

خلال الساعات الأولى من حرب رمضان …

كان السادات أول المتحركين .. قام واقفا من على كرسيه … نظر خلفه غير مصدقا وهتف : مش معقول ! مش معقول ! فى هذه اللحظة كان القناص المحترف حسين عباس يسدد رصاصته القاتلة نحو عنق السادات … يقول خبراء القنص أن للقناص ثلاثة أوضاع لإقتناص عدوه …

الأول : وهو الأسهل على الإطلاق . أن يكون الهدف ثابتا والقناص أيضا فى وضع ثابت ، حينها يمكن لأى قناص تحت التدريب أن يصيب الهدف بسهولة .
الثانى : وهو أكثر صعوبة .. أن يكون الهدف متحركا والقناص ثابت .. يجب على القناص فى هذه الحاله أن يكون محترفا ، وأن يسدد الرصاصة للمكان الذى سيكون فيه الهدف وليس المكان الذى يتواجد فيه الهدف حاليا …
الثالث : وهو الأكثر صعوبة على الإطلاق .. أن يكون الهدف متحركا والقناص هو الأخر متحرك .. وكان هذا هو الوضع الذى كان فيه السادات وحسين عباس !

إخترقت الطلقة القاتلة رقبة السادات من الجانب فسقط أرضا على الفور .. بين عظمة الترقوة والعنق فى هذه الأثناء كان فريق الإغتيال يحيط بالسادات من كل الإتجاهات ، ببقية باقية من روح وعناد نفض السادات عن نفسه الحرس الشخصى الذين ألقوا بأنفسهم عليه .. قام مخاطبا كتيبة الإعدام : عاوز إيه يا ولد إنت وهو ؟

رد عليه خالد الإسلامبولى بطلقات مدفعه الرشاش الألى فأسقطته أرضا على الفور من جديد .. وكان المذيع الداخلى لايزال يقرأ من ورقته دون أن ينتبه لما يحدث أمامه .. كان يقول واصفا رجال المدفعية ..

” إنهم .. فتية أمنوا بربهم ! ” 
في هذا الهجوم قُتل البعض وأصيب كثيرون ومنهم سيد مرعي مستشار السادات وصهره..وفوزي عبد الحافظ سكرتير الرئيس..وأبو غزالة الذي أصيب في ذراعه واخترقت رصاصة أخرى قبعته العسكرية كما ظهر في صورةِ نشرتها صحيفة “الأهرام” فيما بعد

كانت جيهان السادات فوق منصة الرئاسة وفي الحجرة الخاصة التي خصصت لها تتابع سير العرض مع أحفادها وحاشية نساء كبار الضيوف. وحين وقع الهجوم أخذت فايدة كامل زوجة وزير الداخلية النبوي إسماعيل تولول وتصرخ “يا خرابي” فنهرتها جيهان صارخةً “اسكتي .. لو هنموت يبقا نموت بشرف”..ثم انطلقت بسرعة إلى الباب محاولةً الوصول إلى زوجها..إلا أن رجل الأمن منعها من ذلك .

كانت العملية إنتحارية بالدرجة الأولى .. لذلك إرتبك فريق الإغتيال عندما لاحظوا أنهم لايزالون على قيد الحياة .. بدأ رجال الأمن فى الإستفاقة من هول المفاجأة فبدأوا فى تبادل إطلاق النار مع (الإسلامبولى) ورفاقه .. عندما فرغ سلاح الإسلامبولى من الذخيرة أخذ سلاح حسين عباس وأمرة بالإنصراف  فورا .. بقوة أعصاب يحسد عليها إنصرف الأخير من المنصة مسرعا مستغلا الإرتباك .. إستقل سيارة أجرة من طريق صلاح سالم إلى منزله فى منطقة الألف مسكن ! ولم يلق القبض عليه سوى بعد ثلاثة أيام بمصادفة بحته حيث ظن أصدقاؤة أنه مات فترحموا عليه بالإسم فالتفت رجال التحقيق أن شخصا أخر لم يتم القبض عليه

كان حظ الباقين ليس سعيدا الى هذا الحد .. إستطاع رجال الأمن إطلاق النار على سيقانهم وظهورهم فسقطوا مصابين على أرض منصة العرض العسكرى … وعندما إنقشع دخان الذخيرة عن منصة العرض .. كان قد مضى أربعون ثانية بالتمام والكمال … أربعون ثانية .. ربما لا تكفى لتغسل وجهك وأسنانك قبل أن تذهب إلى العمل … إلا أن أربعون ثانية فى المكان والزمان المناسبين … غيروا تاريخ مصر والمنطقة بالكامل ، وأدخلوها فى حقبة جديدة .. ولا تزال تداعياتها تمتد حتى لحظة كتابة هذه السطور .

2 Responses to “>عملية الأربعون ثانية جـ2”

  1. Anonymous Says:

    and where was el-zomor???? i heard two assassins were killed and two were arrested!!!

  2. Anonymous Says:

    برغم كونه رجل الحرب و السلام و رجل ذو حنكة سياسية..إلا إنى أؤمن ان الله عادل و ان موته أو بالأحرى قتله كان عقابا سمائيا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: