>عملية الأربعون ثانية جـ1

>

كان (فولدر) واحد على جهاز الكمبيوتر تم تقسيمة من الداخل لعدة (فولدرات) أخرى … الأول للمقالات والثانى للصور والثالث لملفات الفيديو .. تناثرت على الوسادة بعض الكتب التى تقطعت أغلفتها من تكرار القراءة على مدار سنوات … بينما بقى ملف (وورد) أخير صغير خالى تماما ينتظر منى ما سأكتبه …
قبل أن أكتب سطرا واحدا فيما تقرأه أنت الأن بإسترخاء كان السؤال الذى يشغل بالى .. ما هو الحد الأدنى الذى يستلزم أن يُحدث تغييرا ضخما فى بلدا عريقا كمصر ؟ هل تُحدث الثانية الواحدة فرقا كبيرا فى مصائر الشعوب والبلاد ؟
على سبيل المثال إستلزم الأمر ست ساعات ثقيلة قبل أن يعلن السادات إستعادة جزء من أراضي مصر فى 6 أكتوبر 1973 .. بينما شائت الأقدار أن يستلزم الأمر أربعون ثانية فقط ليعلن شرزمة من المجرمين القضاء على نفس الرجل فى نفس اليوم فى عام 1981 …
أربعون ثانية فقط تم فيها إغتيال أفضل رئيس مصرى بينما هرب بعض القتلة وكاد الأخرون أن يفلتوا بما فعلوا … فكيف كانت أحداث هذا اليوم بالظبط ؟ وكيف تم تنفيذ ما صار يُعرف بعملية الأربعون ثانية ؟
فى البداية يجب أن نعرف أن اللحظات الدامية فى المنصة لم تكن سوى السكين الذى تم غمده بعد شهورا طويلة من التخطيط قامت به من إحدى الجماعات الإسلامية المتشدةة .. هذا “العفريت” الذى حضرة السادات بنفسه لمواجهة قوى الشيوعيين ، ففشل فى طرده وإنقلب عليه .. نفس السيناريو الذى وقعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد ودفعت الثمن أكثر من 3500 قتيلا وبرجين من أهم الرموز الإقتصادية فى العالم ، أو ما صار يعرف إختصارا بأحداث الحادى عشر من سبتمبر وفردنا له تغطية شاملة فى الذكرى الماضية لها يمكنك قراءتها من هنا .
كانت الشهور الأخيرة من عصر السادات حافلة بالأحداث والمفاجأت .. تم فتح الباب على مصراعية أمام الجماعات الإسلامية المتشددة لنشر ثقافتها ، وقام أعضاءها بمنع شباب الجامعات من إقامة حفلاتهم الغنائية ، وقاموا بإجبار الطالبات على إرتداء الحجاب تحت تهديد السلاح الأبيض أمام أعين الحرس الجامعى الذى لم يحرك ساكنا ، بينما تعرضت جميع التيارات الثقافية والإجتماعية لضربة إعتقالات موجعة لم تستثنى أحدا حتى (محمد حسنين هيكل) الذى تم إعتقاله أنذاك ، ثم سرعان ما إنتهى شهر العسل بين الجماعات والنظام ، وبدأ السادات فى مهاجمة قيادات الجماعات فى خطاباته ، وألقى بأحد أهم رموزها  (وهو الشيخ المحلاوى) فى السجن ، وظهر بعدها فى خطبة علنية قال فيها الرئيس السادات بالحرف الواحد خروجا عن النص المحدد سلفا للخطبة :
“بيتعرضلي انا شخصيا وعائلتي وبعدين في صلاء الجمعه منح تسهيلات امريكيه لمصر ,شيخ ازهري واخد العالميه والمفروض انه يعرف الدين الإسلامي وبعدين يدعي انه داعيه إسلامي .. تحدث بعد الصلاء بأنه لا توجد سياده قانون في مصر لان القانون لا يحترم، وجه التحيه للخميني وشعب إيران لما وصفه بازلال أمريكا خلال ازمه الرهائن، انتقد مجلس الشعب لانه لا يعبر عن اراده الشعب، وزير الصحه اسراف في استهلاك الدوا، مفيش ديموقراطيه، مناهج لتربيه والتعليم غلط، بيهاجم المعاهده وانها تعتبر سيناء في حكم المحتله لانها ستكون منزوعه السلاح وانه من البنود السريه للمعاهده يعني اي كذب..اجرام…سفاله…بذاءة كل ده ميوفيش لانه لما يقف رجل معمم ومن الازهر الشريف علشان يقول بنود سريه وهي مش موجوده والله ما هرحمه بالقانون، وديه ايه بقي من ضمن الجماعات الإسلامية يقولوله قول ومتخفش وهنقعدك ع المنبر ولا توقفك الحكومه اهو مرمي في السجن زي الكلب. “
كان يستمع إلى هذا الخطاب الساخن والذى فقد فيه (السادات) أعصابه ، ظابط سابق فى القوات المسلحة المصرية ، هو أقرب للبطل منه إلى الإنسان العادى ، إسمه (عبود الزمر) حصل على فرقة صاعقة ومظلات ، وفرقة إستطلاع وعدة نياشين وأنواط إستحقاق .. تم إسقاطه عدد كبير من المرات خلف الخطوط الخلفية للعدو الإسرائيلى إبان حرب الإستنزاف ، ثم شارك فى حرب 1973 ثم إستقال من القوات المسلحة خشية أن يأتى اليوم الذى يضطر فيها للمشاركه فى عمل عسكرى ضد إخوانه المسلمين أو حتى ضد الشعب المصرى نفسه بعد أن بدأ السادات فى التهديد بقيام عمل عسكرى ضد ليبيا ، وبعد أن إضطر السادات لإستعمال الجيش لقمع المتظاهرين المدنيين الذين خربوا البلاد بعد رفع الدعم عن السلع الغذائية الأساسية .
 عبود الزمر أثناء محاكمته
يقول (الزمر) فى مذكراته : كان إلتزامى بالإسلام يأتى ويروح .. فهذه قفزة بالمظلة قد يقع فيها المحظور وتتوقف المظلة عن العمل فألقى حتفى ، أستحضر فيها الزملاء الذين حدثت لهم هذه الحادثة وأقرر أن أتوب الى الله ثم تلهينى الدنيا فأعود من جديد للهو .. ثم حدث أن إلتقيت بالشيخ عمر عبد الرحمن والذى شدنى الى طاعة الله طاعة لا رجوع فيها فقمت ببيع دبلة زواجى الذهبية (لان لبس الرجال للذهب حرام) وإشتريت بثمنها كتبا إسلامية ، وتوقفت عن التدخين نهائيا بعد معرفتى بحرمته رغم فشل كل محاولاتى السابقة للتوقف عن التدخين من منطلقات بعيدة عن الدين .
عبود الزمر .. هذا المولود فى قرية ناهيا التابعة للجيزة  فى 19 أغسطس عام 1947، من عائلة الزمر الشهيرة ، والتى قدمت لمصر الشهيد العميد أحمد الزمر – شقيق عبود –  والذى تصدى بقواته للقوات الإسرائيلية فى ثغرة الدفرسوار وتم العثور على جثمانة الطاهر ممسكا بسلاحه الشخصى بعد نفاذ الذخيرة ، وتم إطلاق إسمه على إحدى دفعات القوات المسلحة أنذلك .. كان كل ما يفكر فيه (عبود) الأن هو وضع خطة للتخلص من الرئيس السادات ، بعد الفتوى التى أصدرها الشيخ عمر عبد الرحمن بجواز قتل الحاكم الظالم والتى لم تكن سوى فتوى بإهدار دم الرئيس السادات .
وضع (الزمر) عدة تصورات ميدانية لقتل السادات ، كان محترفا ومهتما بأصغر التفاصيل إلى أقصى حد … فى البداية بدأ برصد تحركات الرئيس ، ثم وضع خطته لمهاجمة إستراحة الرئيس فى الوقت الذى يكون متواجدا فيها ، ثم سرعان ما ثبت ضغف هذه الخطة ، ثم جاء الإعلان عن حضور الرئيس للعرض العسكرى بمناسبة إنتصار أكتوبر فى منقطة المنصة الشهيرة ، عندها فكر (الزمر) فى إمكان إستعمال أحد المشاركين فى العرض الجوى للدخول بطائرته الى المنصة وقتل كل من فيها ، إلا أن قرارا فى اللحظات الأخيرة بإستبعاد هذا الطيار من تشكيلة العرض العسكرى حالت دون تنفيذ الفكرة … وفى هذه الأثناء تم التأكد من مشاركة (خالد الإسلامبولى) فى عرض المشاة والمركبات الذى سيتم فى هذا اليوم .. ولم يكن (الإسلامبولى) سوى أحد الأعضاء الفاعلين فى الجماعة الإسلامية أنذاك .. وبدا واضحا أن خطة جديدة صارت تفرض نفسها الأن على مجريات الأحداث .. إلا أن العديد من المشكلات كانت فى طريق هذه الخطة …
المشكلة الأولى : تمثلت فى أن فريق الإغتيال الكامل لم يكن مدرجا فى القوات التى تم إختيارها للقيام بالعرض العسكرى فى 6 أكتوبر 1981 ، وكان الجنود والظباط المشاركين فى العرض يخضعون للعديد من التدقيقات الأمنية .
إلا أن عبود الزمر .. هذا الذى عمل لفترة طويلة فى حياته فى سلاح الإستخبارات العسكرى وأثبت فيه تفوقا ملحوظا ، وضع فى تخطيطة تزوير أوراق دخول فريق الإغتيالات لساحة العرض العسكرى ، وعهد بهذه المهمة للرجل الأول فى فريق الإغتيالات .. خالد الإسلامبولى ، والذى إستطاع إدخال رجاله الى ساحة العرض العسكرى قبل العرض بيوم واحد ، وإمعانا فى التضليل إفتعل خالدا مشكلة وهمية مع رجاله ، وقام بموجب سلطته العسكرية عليهم بتوقيع العقاب عليهم بما يوصف عسكريا بـ (التكدير) ، وأمر بحلق شعر رؤوسهم على (الزيرو) حتى لا يثير الشك لوجود تحالفا بينهم على قتل الرئيس .
المشكلة الثانية : وتمثلت فى إجراءات الأمن المتبعة فى كل العروض العسكرية التى يحضرها الرئيس والتى تقضى بنزع (إبر) ضرب النار وإستبدالها بأخرى (كهنة) تُسلم للجنود فى اللحظات الأخيرة قبل بدء العرض ، بحيث تصبح المدافع الرشاشة والبنادق التى معهم لا تصلح لضرب النار .
 خالد الإسلامبولى أثناء المحاكمة
إستطاع خالد الإسلامبولى تهريب (إبر) حقيقة لضرب النار ، وقام بتوزيعها على جنوده علانية على أنها (إبر) خردة ، وبهذا أصبح لدى فريق الإغتيالات مدافع رشاشة ماركة (كارل جوستاف) وقنابل يدوية … وكلها .. صالحة للإستخدام .
وزيادة  فى الإتقان مر (عبود) ورفاقه على منطقة المنصة قبل يوم أو إثنين من التنفيذ .. ترجلوا من سياراتهم فى منتصف طريق صلاح سالم ، وأجروا إختبارا عمليا على كيفية الترجل من السيارات ومهاجمة منتصف المنصة مباشرة من الأمام ، حتى أنهم إستعملوا بعض الطوب فى إختبار قدرة أيديهم على إلقاء القنابل على المنصة .. ومن فيها …
على الجانب الأخر كانت الكثير من المعلومات عن رغبة تنظيم جهادى إسلامى متطرف فى إغتيال السادات قد وصلت لأجهزة الأمن المصرية ، وإستطاعت الداخلية المصرية ظبط عدد من أعضاء هذه الجماعة وتصويرهم بالفيديو وهم يتدربون بالسلاح والذخيرة الحية على قتل السادات ، وتم عرض الأشرطة على الرئيس السادات ، وتم تنبيهه من وجود مخطط قد يحاول النيل منه أثناء إحتفالات أكتوبر ، إلا أن الرئيس لم يلتفت لهذه التهديدات ولم يلق لها بالا .
فى الجزء الثانى : 
منفذى عملية الإغتيال يحكون : كيف إغتلنا السادات ؟!

One Response to “>عملية الأربعون ثانية جـ1”

  1. Here i'm Says:

    >سردك حلو قوى و ممتع .. و بما انى من عشاق السادات .. فانا فى انتظار باقى الاجزاء أن شاء الله🙂

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: