>فى دايرة الرحلة

>

الرحلة اليومية من وإلى القاهرة وسيلة رائعة للإقتراب والتعرف على أنماط جديدة من البشر ..
عند بوابة الخروج من مترو الأنفاق إتجهت اليها … سيدة فى منتصف الثلاثينات ترتدى حجابا تقليديا وزيا موحدا يناسب زى شركة الأمن الخاصة المكلفة بمساعدة رواد المترو وظبط المتهربين من شراء التذاكر ..
اخرجت لها تذكرتى التالفة .. اخبرتها اننى حاولت المرور عدة مرات دون جدوى ورجوت منها مساعدتى حتى لا يتم الإشتباة فى مرورى بشكل غير قانونى .. سألتنى عن المحطة التى إتجهت منها .. وطلبت منى بطاقتى الشخصية فأعطيتها إياها بمنتهى حسن النية .. فطالبتنى بدفع غرامة بحجة أننى أحمل تذكرة غير صالحة للإستخدام !
حاولت أن أجعلها تفهم أننى إشتريت التذكرة منذ قليل وأن أى مشكلة قد تحدث فهى بسبب موظف بيع التذاكر .. أخبرتنى أنها تصدق ما أقول وأن المشكله مشكلة (الحمار) الذى باعنى التذكرة على حد تعبيرها الا انها ملزمة بأن تحرر لى غرامة .. وطمأنتنى بأن قيمة الغرامة ضئيل وهو مجرد …. قاطعتها قبل أن تخبرنى بالمبلغ وأفهمتها أن إعتراضى على مبدأ تغريمى وليس على مبلغ الغرامة .. وأخبرتها أن الحد الأقصى لتنازلى هو أن أشترى تذكرة جديدة .. أما دفع غرامة على مخالفة لا دخل لى بها حل لن أقبل به …
اثناء جدالنا نظرت الى عيناها .. ناعسه .. شفتاها مبتسمة بتراخى وبرود .. فى شفتها السفلية بعض الجروح الناتجة عن الرطوبه .. هذه شفائف لم تــُقبل منذ أسابيع .. هذه الأيدى الخشنة والأظافر القصيرة المطلية باللون الأحمر الفاقع المتقشر عند الكثير من اطراف اصابعها لم يلمسها أحد بحنان منذ فترة …
نظرت اليها نظرة طويلة وأخبرتها بلهجة من ينهى حدا لنقاش زاد وقته عن الوقت المسموح .. وببرود يتفوق على برودها الصلب أننى لن أدفع الغرامة وأن عليها تصعيد الموقف الى اقصى حد تراة مناسبا …
“مضطرة أعمل لك محضر” .. هكذا قالت قبل أن تضيف : “مع ان الغرامة عشرة جنية مش قضية” .. أخبرتها أنه حتى اذا كان المبلغ عشرة قروش .. المبدأ هو ما يهمنى …
اتجهت الى دفتر المحاضر .. وأخذت تتباطىء فى إعداد الأوراق .. يبدو أن ملابسى المهندمة وهدوئى قد أوحى لها بفرصة تخويفى بالمحضر .. يبدو أننى مازلت أعكس لدى البعض صورة (إبن الناس الى ملوش فى البهدلة) .. ولا أحد يعلم أن داخل كل منا طاقة من العناد تنتظر الوقت المناسب للظهور …

بهدوء قناص روسى اخرجت أنا الأخر مفكرتى وطلبت منها الحصول على رقم وتاريخ المحضر وإسمها رباعيا ورتبتها وفترة عملها . وهددت بلهجة الواثق أن تحقيقا شاملا سيتم فتحة فى الأمر لتبيان كيفية تغريم مواطن لخطأ موظف أحمق ؟

كنت ألعب بورقتى الأخيرة قبل أن أستكمل معها إجراءات المحضر . الا أنه يبدو أن ورقتى قد أصابت الهدف … فقد توقفت قليلا عن فتح المحضر ثم أعطتنى بطاقتى الشخصية وهى تخبرنى أنها ستتجاوز عن المحضر والغرامة هذه المره فقط لأننى (زى العسل وزوق وجنتلمان) !!!

تناولت بطاقتى من بين يديها الخشنة وانا انظر لها بإحتقار.. وغادرت المحطة وأنا ألعن كل نصاب . حتى ولو إرتدى زيا رسميا !

* * *

حتى تلك الفتاة التى وقفت على عتبات قطار الرابعة المتأخر كعادته تتسلى بالحديث مع زميلها .. يبدو من بنطالها الأسود المبالغ فى ضيقه .. ومحاولتها اليائسة للاغراء من خلال فتح زر قميصها الابيض الذى يضيق على ثديان مترهلان , حتى وجهها الذى يتغير بانفعالات تمثيلية مبالغ فيها .. تتحول من الضيق الى الفرح الى التعجب .. بينما يغطى وجهها نظارة شمسية لإضافة غموض غير حقيقى على شخصيتها المسطحه … حتى هذه الفتاه اخذت استمتع بالنظر الى تعبيراتها المبالغ فيها وشفتاها التى تنطق بسرعه الف كلمة فى الثانية … مراقبة وجهها وعدم سماعها جعلنى ابتسم لكوميدية الموقف .. ذكرنى هذا عندما حدث عطل فى التليفزيون فشاهدت احد افلام محمد سعد بدون صوت .. حينها تعجبت من شكوك بعض البشر فى أن أصل الإنسان قرد !

اضحكنى فى النهاية تحرك القطار بشكل مفاجىء ما جعل رأس الفتاة يرتطم بشدة فى احد جوانب القطار .. بينما اسرع زميلها الذى كان يتظاهر بالتأنق فى الركض وراء القطار بجسد مترهل محاولا اللحاق به دون جدوى ..

* * *

فى قطار السادسة حيث أغادر كل يوم جلست فتاة فى المقعد الموازى لى .. لم التفت لها الا حين حدثت مشكلة بسيطة فى مقعدها فطلبت مساعدة احد الجالسين بجوارها . كانت فى حوالى الحادية والعشرين .. لها عيون حزينة جميلة .. ووجة نصف مشوة بشكل بشع للغاية …
بعد إنطلاق القطار بقليل اخرجت من شنطة يدها كتابا ذو غلاف مألوف لدى … فتحته بشكل خاص بحيث يدارى نصف وجهها .. اختلست النظر الى الغلاف فميزت العنوان المكتوب بالأحمر على خلفية سوداء … رواية شيكاغو لعلاء الأسوانى .. تذكرت على الفور ان عيوب الوجه لا تعنى ابدا عيوب الروح والعقل .. وتذكرت فتاة قطار الرابعة مثيرة الجسد خاوية العقل والروح وتعجبت …

عندما توقف القطار وهممنا بالخروج سألتها : عجبتك شيكاجو ؟ أجابتنى أن نعم . وأنها روايتها الأولى وأنها تستحق كل ما أثير حول روعتها .. كانت فى حديثها خفيفة الروح مبتسمة الثغر حزينة النظرة .. لم أطل حديثى معها وتابعتها بعينى حتى إختفت عن أنظارى …

* * *

كان كل سائق تاكسى ينظر لى بإستغراب شديد ويمتنع عن التوقف لتوصيلى .. حتى ظننت أن السفارة الايطالية قد تعرضت لهجوم إرهابى أو شىء من هذا القبيل .. حتى أن أحد سائقى التاكسى نظر الى كمن ينظر لمجنون حقيقى .. وقال شيئا أو إثنين عن (الجهلاء الى ملوا البلد لحد ما باظت !)
وقفت أضرب كفا على كف من هذا السلوك العدائى من زبون محترم لا يريد سوى استقلال التاكسى حتى السفارة الإيطالية .. حتى نبهنى جندى الحراسة بلهجة صعيدية أننى أقف بالفعل عند بوابة السفارة !

11 Responses to “>فى دايرة الرحلة”

  1. واحدة مفروسة Says:

    >هههههههههههههههههههههههشوفت اهه ديه آخرتك بتترق على مخاليق ربنا و خصوصا الستاتربنا خلاك تنهي بالموقف بتاعك ههههههههوو بعدين دماغك ديه فزيعه انا معاك فى الموقف الاولاني ايون صحانا لو مكانك مش ادفع ولا مليم و كنت قطعتها و رميتها فى وشهاانت يظهر بتسلي نفسك و انت راكب المترو ههههههههانا بعمل كده بس مش اوي زيك

  2. قلب مصرى Says:

    >لن أعلق سوى على موقف المترو، فهو يشبه كثيرا موقف عساكر وأمناء الشرطة فى المرور حينما لا ترتكب مخالفة واضحة ويصر هو على أنك إرتكبت مخالفة من أجل أن يمتلئ تقريره فى نهاية اليوم كدليل على اليقظة والنشاطأشكال عدة للنصب بشكل رسمى.

  3. ~*§¦§ Appy §¦§*~ Says:

    >هههههههههههههههه والله انت واقف تدي تفسيرات للبنات بس شوفت مصر بقى فيها اختلافات فى كل حاجه حتى المبادئ اتجزئت وكل واحد حسب شكله صدقنى بقيت تعيسه بده

  4. Zanooba (Zeinab sab9n) Says:

    >هههههههههههههه متركزش أحسن مع اللي بيحصل في المترو عشان متشبش:) او تتنقط لأن المترو ده بشوف في ناس بتتجوز و تتطلق ..ناقصلي بس أشوف ناس بتخلف عشان تبقى كملت :)) بعدين حسيتك أديب كبير في البوست يعني شيكاجو و جمال الروح و العقل الخاوي …البوست جميل أوي و مستنية بوستات جديدة أحسن كمان :))

  5. عاقلة علي ارض الجنون Says:

    >تدوين شخصي أخيرا .. بقينا ندون تدوينات شخصيه أهو ماشي مش هحسدك بس ابقي اعمل تدوينات زيها كده :)ملحوظه كل اللي قريته تخاطيف .. هقراها علي رواقه تاني😛

  6. kochia Says:

    >كل ده حصل في المترو ؟علي فكرة معظمه حصل لانك برده ذوق وزي العسل وجنتل مانهؤلاء او هؤلاءالكل يحاول ان يثبت نفسه ووجهة نظره وربما شخصيته لنفسهبس غريبة اوي حكاية التذكرة دي نصب رسمي ولا ايه ؟؟يلا

  7. mahasen saber Says:

    >اكتر شخصيه شدتنى وانتا بتتكلم عنالنماذج اليى بتقابلها هيا شخصية البنت ذات النصف وجه مشوهه …القباحه قباحة الداخل والتشوهه تشوه الروح مش المظهر….

  8. شيماء الجمال Says:

    >عارف ..الي بيحصل ده بيحصل كل يوم و بنشوفه كل يوم، لكن الفكرةمين اللي بياخد باله من التفاصيل و تلهمه عشان يكتب ؟مين ..مين .؟انت🙂

  9. صاحب المضيفة Says:

    >رائعة تلك المدونة بدماغها العالية وصاحبها .. صاحب الدماغ العاليورائع تلك النظم الرقيق في ديباجته ….لك ابداعك الرقيق ولنا الاستمتاع بجميل القراءة الحرة التي تزيد النشاط وتحيي الهمةتحياتي

  10. خمسة فضفضة Says:

    >السلام عليكم ورحمة اله وبركاته حلو البوست والملاحظات اللي فيه اوي بس لي تعليق بسيط علي البنت بتاع القطار مش معني انها بتقرا شيكاغو انها يبقي روحها مش عارف ايه وعقلها ايه ما يمكن قرتها بعد ما سمعت كلمتين نقد سواء بالمدح او الزم فيها وحبت تشوف ايه الحكايه مجرد حب استطلاعوده اللي ظهرلك بعد كده لما قالتلك انها اول روايه ليها يعني لادودة كتب ولا متعوده علي القرايه ولا يحزنون وافكرك بالمثل اللي بيقول : تعرف فلان …آه ، عاشرته …لأ ، تبقي ماتعرفوش سلام

  11. koukawy Says:

    >بس انت ليه مركز مع الستات بس ههههههههده فيه انماط من الرجاله كتيررر في المترو و في الشارع تستحق المتبعهمش بعيد تلاقي كان فيه واحد متابعك برضو و كاتب عنك بوستايه********** اما عن موضوع التذاكر بتحصل كتييييييير

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: